البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> عالم الجن والشياطين >>

 

أسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان ( الجزء الثاني )

سابعاً : مخالفة الشيطان :

يأتي الشيطان في صورة ناصح يحرص على الإنسان كما سبق ، فعلى المرء أن يخالف ما يأمر به ، ويقول له : لو كنت ناصحاً أحداً لنصحت نفسك ، فقد أوقعت نفسك في النار ، وجلبت لها غضب الجبّار ، فكيف ينصح غيره من لا ينصح نفسه .

يقول الحارث بن قيس : " إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي ، فقال : إنك ترائي فزدها طولاً " (1) . وهذا فقه جيد منه ، رحمه الله .

وإذا علمنا أنّ أمراً ما يحبّه الشيطان ، ويتصف به ، فعلينا أن نخالفه ، فمثلاً الشيطان يأكل بشماله ، ويشرب بشماله ، ويأخذ بشماله ، لذا وجبت علينا مخالفته . روى أبو هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليأكل أحدكم بيمينه ، وليشرب بيمينه ، وليأخذ بيمينه ، وليعط بيمينه ، فإن الشيطان يأكل بشماله ، ويشرب بشماله ، ويعطي بشماله ، ويأخذ بشماله ) (2) .

والشيطان يشاركنا في الشرب إذا شربنا ، ونحن وقوف ، ولذا أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الشرب ونحن جلوس .

ورغّبنا الرسول صلى الله عليه وسلم في القيلولة ، معلّلاً ذلك بأن الشياطين لا تقيل ، ( قيلوا ، فإنّ الشياطين لا تقيل ) . رواه أبو نعيم في الطبّ ، بإسناد حسن (3) .

وحذرنا القرآن من الإسراف ، وقد عدّ المبذرين إخوان الشياطين ، وما ذلك إلا لأن الشياطين تحب إضاعة المال وإنفاقه في غير وجهه .

ومن الإسراف الإكثار من الأثاث والفراش الذي لا لزوم له ، روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الفرش فقال : ( فراش للرجل ، وفراش لامرأته ، وفراش للضيف ، والرابع للشيطان ) (4) .

ومن هذا المنطلق أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن نميط الأذى عن اللقمة التي تسقط من أحدنا ، ولا نتركها للشيطان ، عن جابر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه ، حتى يحضره عند طعامه ، فإذا سقطت اللقمة ، فليمط ما كان بها من أذى ، ثم ليأكلها ، ولا يدعها للشيطان ، فإذا فرغ فليلعق أصابعه ، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة ) (5) .

مراكب الشيطان :

هذه الخيول والدواب التي يقامر عليها ويراهن عليها تعدّ من مراكب الشياطين ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( الخيل ثلاثة : ففرس للرحمن ، وفرس للشيطان ، وفرس للإنسان ، فأما فرس  الرحمن ؛ فالذي يربط في سبيل الله ، فعلفه ، وروثه ، وبوله في ميزانه ، وأمّا فرس الشيطان ، فالذي يقامر أو يراهن عليه ، وأما فرس الإنسان ، فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها ، فهي ستر من الفقر ) . رواه أحمد بإسناد صحيح (6) .

العجلة من الشيطان :

من الصفات التي يحبها الشيطان العجلة ؛ لأنها توقع الإنسان في كثير من الأخطاء ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان ) . رواه البيهقي في شعب الإيمان بإسناد حسن (7) . فعلينا أن نخالف الشيطان في ذلك ، ونتبع ما يرضي الرحمن ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس : ( إن فيك لخصلتين يحبهما الله ؛ الحلم والأناة ) (8) .

التثاؤب :

ومما يحبه الشيطان من الإنسان التثاؤب ؛ ولذا أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بكظمه ما استطعنا ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( التثاؤب من الشيطان ، فإذا تثاءَب أحدكم فليرده ما استطاع ، فإن أحدكم إذا قال : ها ، ضحك منه الشيطان ) (9) . وذلك لأن التثاؤب علامة الكسل ، والشيطان يعجبه ويفرحه من الإنسان كسلـه وفتوره ؛ إذ بذلك يقل عمله وبذله الذي يرفعه عند ربه .

ثامناً : التوبة والاستغفار :

ومما يواجه به العبد كيد الشيطان أن يسارع بالتوبة والأوبة إلى الله إذا أغواه الشيطان ، وهذا دأب عباد الله الصالحين ، قال تعالى : ( إنَّ الَّذين اتَّقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشَّيطان تذكَّروا فإذا هم مُّبصرون ) [ الأعراف : 201 ] .

وقد فسر الطائف بالهمّ بالذنب ، أو إصابة الذنب ، وقوله : ( تذكَّروا ) أي عقاب الله وجزيل ثوابه ، ووعده ووعيده ، فتابوا ، وأنابوا ، واستعاذوا بالله ، ورجعوا إليه من قريب . ( فإذا هم مُّبصرون ) أي قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه . وهذا يدل على أن الشيطان يكاد يجعل الإنسان في عماية لا يرى الحق ولا يبصره بما يلقيه عليه من غشاوة ، وما يغشي به القلب من الشبهات والشكوك .

وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قال لرب العزة : ( وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، فقال الربّ : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ) . رواه أحمد في مسنده ، والحاكم في مستدركه (10) .

هذه حال عباد الله : الرجوع من قريب ، والتوبة والإنابة إلى الله ، ولهم في ذلك أسوة بأبيهم آدم ، فإنه لما أكل من الشجرة ، تلقى من ربه كلمات فتاب عليه ، وتوجه آدم وزوجه إلى الله قائلين : ( ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لَّم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين ) [ الأعراف : 23 ] .

أما أولياء الشيطان فهم كما قال الله فيهم : ( وإخوانهم يمدُّونهم في الْغَيِّ ثمَّ لا يقصرون ) [ الأعراف : 202 ] .

والمراد بإخوانهم هنا : إخوان الشياطين من الإنس كقوله : ( إنَّ المبذرين كانوا إخوان الشَّياطين ) [ الإسراء : 27 ] ، وهم أتباعهم والمستمعون لهم ، القابلون لأوامرهم  يمدونهم في الغيّ : أي بالتزيين والتحسين للذنوب والمعاصي ، بلا كلل ولا ملل . كقوله : ( ألم تر أنَّا أرسلنا الشَّياطين على الكافرين تؤزُّهم أزّاً ) [ مريم : 83 ] .

تاسعاً : أزل اللبس والغموض الذي يدخل الشيطان منه إلى النفوس :

لا تقف مواقف الشبهة ، وإذا حدث ذلك فَوَضّحْ للناس حالك ، حتى لا تدع للشيطان فرصة الوسوسة في صدور المسلمين ، ولك أسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا .

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفاً ، فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ، ثم قمت فانقلبت ، فقام معي ليَقْلبني (11) ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ، فمرّ رجلان من الأنصار ، فلمّا رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( على رسلكما ، إنها صفية بنت حيي ) ، فقالا : سبحان الله ، يا رسول الله !! قال : ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً ) ، أو قال : ( شيئاً ) (12) .

قال الخطابي : " في هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون ، ويخطر بالقلوب ، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءَة من الريب " .

ويحكى في هذا عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : " خاف النبي صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلوبهما شيء من أمره فيكفرا ، وإنما قاله صلى الله عليه وسلم شفقة منه عليهما لا على نفسه " (13) .

ومما أرشدنا الله إليه القول الحسن مع الآخرين حتى لا يدخل الشيطان بيننا وبين إخواننا  ، فيوقع العداوة بيننا والبغضاء ، قال تعالى : ( وقل لعبادي يقولوا الَّتي هي أحسن إنَّ الشَّيطان ينزغ بينهم ) [ الإسراء : 53 ] .

وهذا أمر تساهل فيه بعض الناس ، فتراهم يقولون الكلام الموهم الذي يحتمل وجوهاً عدة بعضها سيِّء ، وقد يرمي أحدهم أخاه بألفاظ يكرهها ، ويناديه بألقاب يمقتها ، فيكون ذلك مدخلاً للشيطان ، فيفرق بينهما ، ويحل العداء محل الوفاق والألفة .

النفس البشرية في معترك الصراع :

في ختام هذا الفصل أحب أن أثبت مبحثاً مهماً من كلام ابن القيم صوّر فيه – رحمه الله – حقيقة الصراع وطبيعته ، يقول ابن القيم ما ملخصه : " اختار الله الإنسان من بين خلقه فكرمه واصطفاه ، وجعله محلاً للإيمان والتوحيد والإخلاص والمحبة والرجاء ، وابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة ، وابتلاه بعدوه إبليس ، لا يفتر عنه " (14) .

ثم يقول ابن القيم ما نصه : " فهو ( أي الشيطان ) يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه ، فتميل نفسه معه ؛ لأنه يدخل عليها بما تحب ، فيتفق هو ونفسه وهواه على العبد : ثلاثة مسلطون آمرون ، فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم ، والجوارح آلة منقادة ، فلا يمكنها إلا الانبعاث  ، فهذا شأن هذه الثلاثة ، وشأن الجوارح ، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا وأين يمموا .

هذا مقتضى حال العبد ، فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بجند آخر ، وأمدّه بمدد آخر ، يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه ، فأرسل إليه رسوله ، وأنزل عليه كتابه ، وأيده بملك كريم يقابل عدوه الشيطان ، فإذا أمره الشيطان بأمر ، أمره الملك بأمر ربّه ، وبين له ما في طاعة العدو من الهلاك ، فهذا يلم به مرة ، وهذا مرة ، والمنصور من نصره الله عز وجل ، والمحفوظ من حفظه الله تعالى .

وجعل الله له مقابل نفسه الأمارة نفساً مطمئنة ، إذا أمرته النفس الأمارة بالسوء ، نهته عنه النفس المطمئنة ، وإذا نهته الأمارة عن الخير ، أمرته به النفس المطمئنة ، فهو يطيع هذه مرة ، وهذه مرة ، وهو الغالب عليه منهما ، وربما انقهرت إحداهما بالكلية قهراً لا تقوم معه أبداً .

وجعل له مقابل الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نوراً وبصيرة ، وعقلاً يرده عن الذهاب مع الهوى ، فكلما أراد أن يذهب مع الهوى ، ناداه العقل والبصيرة والنور : الحذر الحذر ، فإن المهالك والمتالف بين يديك ، وأنت صيد الحرامية ، وقطّاع الطريق ، إن سرت خلف هذا الدليل .

فهو يطيع الناصح مرة ، فيبين له رشده ونصحه ، ويمشي خلف دليل الهوى مرة ، فيقطع عليه الطريق ، ويؤخذ ماله ، وتسلب ثيابه ، فيقول : ترى من أين أتيت ؟

والعجب أنه يعلم من أين أُتي ، ويعرف الطريق التي قطعت عليه ، وأخذ فيها ، ويأبى إلا سلوكها ، لأنّ دليله تمكن منه ، وتحكم فيه ، وقوي عليه ، ولو أضعفه بالمخالفة له ، وزجره إذا دعاه ، ومحاربته إذا أراد أخذه ، لم يتمكن منه ، ولكن هو مكنه من نفسه ، وهو أعطاه يده .

فهو بمنزلة الرجل يضع يده في يد عدوه ، فيباشره ثم يسومه سوء العذاب ، فهو يستغيث فلا يغاث ، فهكذا يستأسر للشيطان والهوى ولنفسه الأمارة ، ثم يطلب الخلاص ، فيعجز عنه .

فلما أن بُلي العبد بما بُلي به ، أعين بالعساكر والعدد والحصون ، وقيل : قاتل عدوك وجاهده ، فهذه الجنود خذ منها ما شئت ، وهذه الحصون تحصن بأي حصن شئت منها ، ورابط إلى الموت ، فالأمر قريب ، ومدة المرابطة يسيرة جداً ، فكأنك بالملك الأعظم وقد أرسل إليك رسله ، فنقلوك إلى داره ، واسترحت من هذا الجهاد ، وفرق بينك وبين عدوك ، وأطلقت في دار الكرامة تتقلب فيها كيف شئت ، وسجن عدوك في أصعب الحبوس وأنت تراه .

فالسجن الذي كان يريد أن يودعك فيه قد أدخله وأغلقت عليه أبوابه ، وأيس من الروح والفرج ، وأنت فيما اشتهت نفسك ، وقرّت عينك ، جزاءً على صبرك في تلك المدة اليسيرة ، ولزومك الثغر للرباط ، وما كانت إلا ساعة ثمّ انقضت ، وكأن الشدة لم تكن .

فإن ضعفت النفس عن ملاحظة قصر الوقت وسرعة انقضائه ، فليتدبر قوله عز وجل : ( كأنَّهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاَّ ساعةً من نَّهار ) [ الأحقاف : 35 ] وقوله عز وجل : ( كأنَّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاَّ عشيَّةً أو ضُحَاهَا ) [ النازعات : 46 ] ، وقوله عزّ وجلّ : ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين – قالوا لبثنا يوماً أو بعض يومٍ فَاسْأَل العادين – قال إن لبثتم إلاَّ قليلاً لو أنَّكم كنتم تعلمون ) [المؤمنون : 112-114] ، وقوله تعالى : ( يوم ينفخ في الصُّور ونحشر المجرمين يومئذٍ زرقاً – يتخافتون بينهم إن لبثتم إلاَّ عشراً – نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقةً إن لبثتم إلاَّ يوماً ) [طه : 102-104] .

وخطب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً ، فلما كانت الشمس على رؤوس الجبال ، وذلك عند الغروب قال : ( إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ) . رواه أحمد في المسند ، والترمذي في سننه ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث ، وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي من الدنيا بأسرها ، ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام ، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ خسيس لا يساوي شيئاً ، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ هنيئاً موفوراً وأكمل منه ، كما في بعض الآثار : " ابن آدم ، بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعاً ، ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعاً " .

وقال بعض السلف : " ابن آدم ، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا ، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا ، أضعت نصيبك من الآخرة ، وكنت من نصيب الدنيا على خطر ، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة ، فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظاماً " .

وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول في خطبته : " أيها الناس ، إنكم لم تخلقوا عبثاً ، ولم تتركوا سدى ، وإن لكم معاداً يجمعكم الله – عزّ وجلّ – فيه للحكم فيكم ، والفصل بينكم ، فخاب وشقي عبد أخرجه الله – عزّ وجلّ – من رحمته التي وسعت كل شيء ، وجنته التي عرضها السماوات والأرض .

وإنما يكون الأمان غداً لمن خاف الله تعالى واتقى ، وباع قليلاً بكثير ، وفانياً بباقٍ ، وشقاوة بسعادة ، ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين ، وسيخلفه بعدكم الباقون ؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غادياً رائحاً إلى الله قد قضى نحبه ، وانقطع أمله ، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهد ، قد خلع الأسباب ، وفارق الأحباب ، وواجه الحساب ؟ " .

والمقصود أن الله – عزّ وجلّ – قد أمد العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود ، والعدد ، والأمداد ، وبين له بماذا يحرز نفسه من عدوه ، وبماذا يَفتَكّ نفسه إذا أسر .

وقد روى الإمام أحمد رضي الله عنه – والترمذي ، من حديث الحارث الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنّ الله – سبحانه وتعالى – أمر يحي ابن زكريا صلى الله عليه وسلم بخمس كلماتٍ : أن يعمل بها ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، وأنه كادَ أن يُبطئ بها ، فقال له عيسى عليه السلام : إن الله – تعالى – أمركَ بخمس كلمات لتعمل بها ، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، فإما أن تأمرهم ، وإما أن آمرَهُم ، فقال يحي : أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب ، فجمع يحي الناس في بيت المقدس ، فامتلأ المسجد ، وقعدوا على الشرف ، فقال : إن الله – تبارك وتعالى – أمرني بخمس كلمات أن أَعمَلَهُنّ ، وآمركُم أن تعملُوا بهن ) .

وخامس هذه الخمسة التي أمرهم بها الذكر ، ( وآمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً ، حتى أتى على حصن حصين ، فأحرز نفسه منهم ، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

ومما أمرهم به في الحديث الصلاة : ( آمركم بالصلاة ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا ، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ) . والالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان ؛ أحدهما : التفات القلب عن الله عزّ وجلّ إلى غير الله تعالى . والثاني : التفات البصر . وكلاهما منهي عنه . ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته ، فإذا التفت بقلبه أو بصره ، أعرض الله تعالى عنه . وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال : ( هو اختلاسٌ يَخْتلِسُهُ الشيطانُ من صلاة العبد ) (15) .

وفي أثر : يقول الله تعالى : ( إلى خير مني ، إلى خير مني ؟ ) . ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه مثلُ رجل قد استدعاه السلطان ، فأوقفه بين يديه ، وأقبل يناديه ويخاطبه ، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يميناً وشمالاً  ، وقد انصرف قلبه عن السلطان ، فلا يفهم ما يخاطبه به ؛ لأن قلبه ليس حاضراً معه ، فما ظنّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان ؟ أفليس أقل المراتب في حقّه أن ينصرف من بين يديه ممقوتاً مبعداً قد سقط من عينيه ؟ .

فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته ، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه ، فامتلأ قلبه من هيبته ، وذلت عنقه له ، واستحيى من ربه تعالى أن يقبل على غيره ، أو يلتفت عنه . وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض ، قال حسان بن عطية : إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة ، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض ، وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله عز وجل ، والآخر ساهٍ غافل . فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله ، وبينه وبينه حجاب ، لم يكن إقبالاً ولا تقريباً ، فما الظن بالخالق عزّ وجل ؟

وإذا أقبل على الخالق عزّ وجلّ ، وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس ، والنفس مشغوفة بها ، ملأى منها ، فكيف يكون ذلك إقبالاً وقد ألهته الوساوس والأفكار ، وذهبت به كل مذهب ؟

والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه ، فإنه قد قام في أعظم مقام ، وأقربه وأغيظه للشيطان ، وأشده عليه ، فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه ، بل لا يزال به يعده ويمنّيه وينسيه ، ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهوّن عليه شأن الصلاة ، فيتهاون بها فيتركها .

فإن عجز عن ذلك منه ، وعصاه العبد ، وقام في ذلك المقام ، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بنيه وبين نفسه ، ويحول بينه وبين قلبه ، فيذكره في الصلاة ، ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها ، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة ، وأيس منها ، فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ، ويأخذه عن الله عزّ وجلّ ، فيقوم فيها بلا قلب ، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عزّ وجلّ بقلبه في صلاته ؛ فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله ، لم تخف عنه بالصلاة ، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها ، وأكمل خشوعها ، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه .

فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه ، وأحس بأثقال قد وضعت عنه ، فوجد نشاطاً وراحة وروحاً ، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها ، لأنها قرة عينيه ، ونعيم روحه ، وجنة قلبه ، ومستراحه في الدنيا ، فلا يزال كأنه في سجنٍ وضيقٍ حتى يدخل فيها ، فيستريح بها ، لا منها ، فالمحبون يقولون : نصلي فنستريح بصلاتنا ، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم : ( يا بلالُ أرِحنا بالصلاةِ ) ، ولم يقل : أرحنا منها ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( جُعِلت قُرة عيني في الصلاةِ ) . فمن جعلت قرة عينه في الصلاة ، كيف تقر عينه صلى الله عليه وسلم بدونها ، وكيف يطيق الصبر عنها ؟

وقد روي أن العبد إذا قام يصلي ، قال الله عز وجل : " ارفعوا الحجب ، فإذا التفت ، قال : أرخوها " ، وقد فُسِّر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله عزّ وجلّ إلى غيره ، فإذا التفت إلى غيره ، أرخى الحجاب بينه وبين العبد ، فدخل الشيطان ، وعرض عليه أمور الدنيا ، وأراه إياها في صورة المرآة ، وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت ، لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله – تعالى – وبين ذلك القلب ، وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب ، فإن فر إلى الله تعالى ، وأحضر قلبه فر الشيطان ، فإن التفت حضر الشيطان ، فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة .

كيف يجعل المصلي قلبه حاضراً في الصلاة ؟

وإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه عزّ وجلّ ، إذا قهر شهوته وهواه ، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة ، وأسره الهوى ، ووجد الشيطان فيه مقعداً تمكن فيه ، كيف يخلص من الوساوس والأفكار ؟ !

والقلوب ثلاثة : قلب خالٍ من الإيمان وجميع الخير ، فذلك قلب مظلم قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه ؛ لأنه قد اتخذه بيتاً ووطناً ، وتحكم فيه بما يريد ، وتمكن منه غاية التمكن .

القلب الثاني : قلب قد استنار بنور الإيمان ، وأوقد فيه مصباحه ، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية ، فللشيطان هناك إقبال وإدبار ، ومجالات ومطامع ، فالحرب دول وسجال .

وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة ، فمنهم مَنْ أوقات غلبته لعدوه أكثر ، ومنهم مَنْ أوقات غلبة عدوه له أكثر ، ومنهم من هو تارة وتارة .

القلب الثالث : قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان ، وانقشعت عنه حجب الشهوات ، وأقلعت عنه تلك الظلمات ، فلنوره في صدره إشراق ، ولذلك الإشراق إيقاد لو دنا منه الوسواس لاحترق به ، فهو كالسماء التي حرست بالنجوم ، فلو دنا منها الشيطان يتخطاها لرجم فاحترق ، وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن ، وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء ، والسماء متعبد الملائكة ، ومستقرّ الوحي ، وفيها أنوار الطاعات ، وقلب المؤمن مستقر التوحيد والمحبة ، والمعرفة والإيمان ، وفيه أنوارها ، فهو حقيق أن يحرس ويحفظ من كيد العدو ، فلا ينال منه شيئاً إلا خطفة .

وقد مثّل ذلك بمثال حسن ، وهو ثلاثة بيوت :

بيت الملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره .

وبيت للعبد فيه كنوز العبد ، وذخائره ، وجواهره ، وليس جواهر الملك وذخائره .

وبيت خال صفر لا شيء فيه ، فجاء اللص يسرق من أحد البيوت ، فمن أيها يسرق ؟

فإن قلت : من البيت الخالي ، كان محالاً ؛ لأن البيت الخالي ليس فيه شيء يسرق ، ولهذا قيل لابن عباس رضي الله عنهما : إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها ، فقال : وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب ؟

وإن قلت : يسرق من بيت الملك ، كان ذلك كالمستحيل الممتنع ، فإن عليه من الحرس واليزَك (16) ما لا يستطيع اللص الدنو منه ، كيف وحارسه الملك بنفسه ، وكيف يستطيع اللص الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله ؟ فلم يبق للص إلا البيت الثالث ، فهو الذي يشن عليه الغارات .

فيلتأمل اللبيب هذا المثال ، ولينزله على القلوب ، فإنها على منواله .

فقلب خلا من الخير كله ، وهو قلب الكافر والمنافق ، فذلك بيت الشيطان ، قد أحرزه لنفسه واستوطنه ، واتخذه سكناً ومستقراً ، فأي شيء يسرق منه ، وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه ؟

وقلب قد امتلأ من جلال الله – عزّ وجلّ – وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه ، فأي شيطان يجترئ على هذا القلب ؟ وإن أراد سرقة شيء منه ، فماذا يسرق ؟ وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة ونهب يحصل له على غرة من العبد وغفلة لا بد له منها ، إذ هو بشر ، وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع .

وقلب فيه توحيد الله تعالى ، ومعرفته ، ومحبته ، والإيمان به ، والتصديق بوعده ، وفيه شهوات النفس وأخلاقها ، ودواعي الهوى والطبع .

وقلب بين هذين الداعيين ؛ فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة والمحبة لله تعالى وإرادته وحده ، ومرة يميل بقلبه داعي الشيطان والهوى والطباع ، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع ، وله منه منازلات ووقائع ، ويعطي الله النصر من يشاء : ( وما النَّصر إلاَّ من عند الله العزيز الحكيم ) [ آل عمران : 126 ] . وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه ، فيدخل إليه الشيطان ، فيجد سلاحه عنده ، فيأخذه ويقاتل به ، فإن أسلحته هي الشهوات والشبهات والخيالات والأماني الكاذبة ، وهي في القلب ، فيدخل الشيطان فيجدها عتيدة ، فيأخذها ويصول بها على القلب ، فإن كان عند العبد عدة عتيدة ، من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها ، انتصف من الشيطان ، وإلا فالدولة لعدوه عليه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . فإذا أذن العبد لعدوه ، وفتح له باب بيته ، وأدخله عليه ، ومكنه من السلاح يقاتله به ، فهو الملوم .

فنفْسك لُم ولا تَلُم المطايا  ×××  ومُت كمداً فليس لك اعتذارُ "

--------------------------------

(1) تلبيس إبليس : 38 .

(2) صحيح سنن ابن ماجة : 1/225 . ورقمه : 2643 .

(3) صحيح الجامع : 4/147 .

(4) صحيح مسلم : 3/1651 . ورقمه : 2084 . وصحيح سنن أبي داود : 2/780 . ورقمه : 3489 .

(5) صحيح مسلم : 3/1607 . ورقمه : 2033 .

(6) صحيح الجامع : 3/137 .

(7) صحيح الجامع : 3/57 .

(8) رواه مسلم في صحيحه : 1/48-49 . ورقمه : (17) ، (18) .

(9) رواه البخاري : 6/338 . ورقمه :3289 . ورواه مسلم : 4/2293 . ورقمه : 2994 . واللفظ للبخاري . ورواه الترمذي . انظر صحيح سنن الترمذي : 2/355 . ورقمه : 2206 .

(10) صحيح الجامع : 2/72 .

(11) ليردني إلى منزلي .

(12) صحيح البخاري : 6/336 . ورواه مسلم : 4/1712 . ورقمه : 2175 . واللفظ لمسلم .

(13) تلبيس إبليس : 46 .

(14) الوابل الصيب : ص21 .

(15) رواه البخاري : 2/234 . ورقمه : 751 .

(16) يزك ويسك (بالتركية) : بمعنى المنع والحظر والزجر .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M