البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> القيامة الكبرى >>

 

بَعض معَالم أهَوال القيَامَة ( الجزء الثاني )

المطب الخامس

تكوين الشمس وخسوف القمر وتناثر النجوم

أما هذه الشمس التي نراها تشرق كل صباح ، فتغمر أرضنا بالضياء ، وتمدنا بالنور والطاقة التي لا غنى عنها لأبصارنا وأبداننا ، وما يدب على الأرض من أحياء ، وما ينمو فيها من نبات ، فإنها تجمع وتكوَّر ، ويذهب ضوؤها ، كما قال تعالى : ( إذا الشمس كورت ) [ التكوير : 1 ] ، والتكوير عند العرب : جمع الشيء بعضه على بعض ، ومنه تكوير العمامة ، وجمع الثياب بعضها على بعض ، وإذا جمع بعض الشمس على بعض ، ذهب ضوؤها ورمى بها .

أما القمر الذي نراه في أول كل شهر هلالاً ، ثم يتكامل ويتنامى ، حتى يصبح بدراً جميلاً بديعاً ، يتغنى بجماله الشعراء ، ويؤنس المسافرين حين يسيرون في الليل ، فإنه يخسف ويذهب ضوؤه ( فإذا برق البصر – وخسف القمر ) [ القيامة : 7-8 ] .

أما تلك النجوم المتناثرة في القبة السماوية الزرقاء ، فإن عقدها ينفرط ، فتتناثر وتنكدر ( وإذا الكواكب انتثرت ) [ الانفطار : 2 ] ، ( وإذا النجوم انكدرت ) [ التكوير : 2 ] ، والانكدار ، الانتثار ، وأصله في لغة العرب : الانصباب (1) .

المطلب السادس

تفسير القرطبي للنصوص الواصفة لأهوال يوم القيامة

قال القرطبي : " روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ : ( إذا الشمس كورت ) [ التكوير : 1 ] ، ( إذا السماء انفطرت ) [ الانفطار : 1 ] ، ( إذا السماء انشقت ) [الانشقاق : 1] .

قال : هذا حديث حسن (2) .

وإنما كانت هذه السور الثلاث أخص بالقيامة ، لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها ، وتكور شمسها وانكدار نجومها ، وتناثر كواكبها ، إلى غير ذلك من أفزاعها وأهوالها ، وخروج الخلق من قبورهم إلى سجونهم أو قصورهم ، بعد نشر صحفهم ، وقراءة كتبهم ، وأخذها بأيمانهم وشمائلهم ، أو من وراء ظهورهم في موقفهم على ما يأتي بيانه .

قال الله تعالى : ( إذا السماء انشقت ) [ الانشقاق : 1 ] . وقال ( إذا السماء انفطرت ) [ الانفطار : 1 ] ، وقال : ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ) [الفرقان : 25] ، فتراها واهية منفطرة متشققة ، كقوله تعالى : ( وفتحت أبواب السماء فكانت أبواباً ) [النبأ : 19] ، ويكون الغمام سترة بين السماء والأرض ، وقيل إن الباء بمعنى عن ، أي : تشقق عن سحاب أبيض ، ويقال : انشقاقها لما يخلص إليها من حر جهنم ، وذلك إذا بطلت المياه ، وبرزت النيران ، فأول ذلك أنها تصير حمراء صافية كالدهن ، وتتشقق لما يريد الله من نقض هذا العالم ، ورفعه . وقد قيل : إن السماء تتلون ، فتصفر ، ثم تحمر ، أو تحمر ، ثم تصفر ، كالمهرة تميل في الربيع إلى الصفرة ، فإذا اشتد الحر مالت إلى الحمرة، ثم إلى الغبرة ، قاله الحليمي .

وقوله تعالى : ( إذا الشمس كورت ) [ التكوير : 1 ] ، قال ابن عباس رضي الله عنه : تكويرها إدخالها في العرش . وقيل : ذهاب صفوها ، قاله الحسن وقتادة ، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد . وقال أبو عبيدة : كورت مثل تكوير العمامة ، تلف فتمحى. وقال الربيع بن خثيم : كورت رمي بها ، ومنه : كورته ، فتكور ، . أي : سقط. قلت : وأصل التكوير الجمع ، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها ، أي : لاثها ، وجمعها ، فهي تكور ، ثم يمحو ضوءها ثم يرمى بها ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( وإذا النجوم انكدرت ) [ التكوير : 2 ] ، أي : انتشرت ، قيل : تتناثر من أيدي الملائكة ، لأنهم يموتون ، وفي الخبر أنها معلقة بين السماء والأرض بسلاسل بأيدي الملائكة . وقال ابن عباس رضي الله عنه : انكدرت تغيرت ، وأصل الانكدار الانصباب ، فتسقط في البحار ، فتصير معها نيراناً ، إذا ذهبت المياه .

وقوله : ( وإذا الجبال سيرت ) [ التكوير : 3 ] ، هو مثل قوله : ( ويوم نسير الجبال ) [ الكهف : 47 ] ، أي : تحول عن منزلة الحجارة ، فتكون كثيباً مهيلاً ، أي : رملاً سائلاً ، وتكون كالعهن ، وتكون هباء منبثاً ، وتكون سراباً ، مثل السراب الذي ليس بشيء . وقيل : إن الجبال بعد اندكاكها أنها تصير كالعهن من حر جهنم ، كما تصير السماء من حرها كالمهل .

قال الحليمي : وهذا والله أعلم لأن مياه الأرض كانت حاجزة بين السماء والأرض، فإذا ارتفعت ، وزيد مع ذلك في إحماء جهنم أثر في كل واحد من السماء والأرض ما ذكر .

وقوله : ( وإذا العشار عطلت ) [ التكوير : 4 ] أي : عطلها أهلها ، فلم تحلب من الشغل بأنفسهم . والعشار : الإبل الحوامل ، واحدها عشر ، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر ، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع ، وبعدما تضع ، وإنما خص العشار بالذكر ، لأنها أعز ما يكون على العرب ، فأخبر أنها تعطل يوم القيامة . ومعناه أنهم إذا قاموا من قبورهم ، وشاهد بعضهم بعضاً ورأوا الوحوش والدواب محشورة ، وفيها عشارهم التي كانت أنفس أموالهم ، لم يعبؤوا بها ، ولم يهمهم أمرها ، ويحتمل تعطل العشار إبطال الله تعالى أملاك الناس عما كان ملَّكهم إياها في الدنيا ، وأهل العشار يرونها، فلا يجدون إليها سبيلاً . وقيل : العشار : السحاب ، يعطل مما يكون فيه ، وهو الماء ، فلا يمطر . وقيل : العشار الديار ، تعطل فلا تسكن . وقيل : الأرض التي يعشر زرعها تعطل فلا تزرع ، والقول الأول أشهر وعليه من الناس الأكثر .

وقوله : ( وإذا الوحوش حشرت ) [ التكوير : 5 ] أي : جمعت ، والحشر الجمع ، وقد تقدم .

وقوله ( وإذا البحار سجرت ) [ التكوير : 6 ] أي : أوقدت ، وصارت ناراً . رواه الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنه . وقال قتادة : غار ماؤها ، فذهب . وقال الحسن والضحاك : فاضت . قال ابن أبي زمنين : سجرت حقيقته ملئت ، فيفضي بعضها إلى بعض ، فتصير شيئاً واحداً . وهو معنى قول الحسن . ويقال : إن الشمس تلف ، ثم تلقى في البحار ، فمنها تحمى ، وتنقلب ناراً . قال الحليمي : ويحتمل إن كان هذا هكذا أن البحار في قول من فسر التسجير بالامتلاء هو أن النار حينئذ تكون أكثرها ، لأن الشمس أعظم من الأرض مرات كثيرة ، فإذا كورت ، وألقيت في البحر ، فصارت ناراً ، ازدادت امتلاءً .

وقوله : ( وإذا النفوس زوجت ) [ التكوير : 7 ] تفسير الحسن أن تلحق كل شيعة شيعتها : اليهود باليهود ، والنصارى بالنصارى ، والمجوس بالمجوس ، وكل من كان يعبد من دون الله شيئاً يلحق بعضهم ببعض ، والمنافقون بالمنافقين ، والمؤمنون بالمؤمنين . وقال عكرمة : المعنى تقرن بأجسادها ، أي : ترد إليها ، وقيل : يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان . يقرن المؤمنون بالحور العين ، والكافرون بالشياطين .

وقوله : ( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ ) [ التكوير : 8 ] يعني بنات الجاهلية ، كانوا يدفنوهن أحياء ، لخصلتين : إحداهما : كانوا يقولون : إن الملائكة بنات الله ، فألحقوا البنات به . الثانية : مخافة الحاجة والإملاق ، وسؤال الموءودة على وجه التوبيخ لقاتلها ، كما يقال للطفل إذا ضرب : لم ضربت ؟ وما ذنبك ؟ وقال الحسن : أراد الله أن يوبخ قاتلها ، لأنها قتلت بغير ذنب . وبعضهم يقرأ : وإذا الموءودة سألت ، تعلق الجارية بأبيها، فتقول : بأي ذنب قتلتني ؟ وقيل : معنى سئلت ، يسأل عنها كما قال : ( إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) [ الإسراء : 34 ] .

وقوله : ( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) [ التكوير : 10 ] أي : للحساب وسيأتي .

وقوله : ( وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ ) [ التكوير : 11 ] قيل : معناه طويت ، كما قال الله تعالى : ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) [ الأنبياء : 104 ] ، أي : كطي الصحيفة على ما فيها ، فاللام بمعنى (على) ، يقال : كشطت السقف ، أي : قلعته ، فكان المعنى : قلعت ، فطويت والله أعلم ، والكشط والقشط سواء ، وهو القلع ، وقيل : السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف في الصحابة من اسمه سجل .

وقوله : ( وإذا الجحيم سعرت ) [ التكوير : 12 ] ، أي : أوقدت . وقوله : ( وإذا الجنة أزلفت ) [ التكوير : 13 ] أي : قربت لأهلها ، وأدنيت .

( علمت نفس ما أحضرت ) [ التكوير : 14 ] أي : من عملها ، وهو مثل قوله : ( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) [ الانفطار : 5 ] .

ومما قيل في وصف أهوال ذلك اليوم شعراً (3)  :

مثِّل لنفسك أيها المغرور  ×××  يوم القيامة والسماء تمور

إذ كورت شمس النهار وأدنيت  ×××  حتى على رأس العباد تسير

وإذا النجوم تساقطت وتناثرت  ×××  وتبدلت بعد الضياء كدور

وإذا البحار تفجرت من خوفها  ×××  ورأيتها مثل الجحيم تفور

وإذا الجبال تقلعت بأصولها  ×××  فرأيتها مثل السحاب تسير

وإذا العشار تعطلت وتخربت  ×××  خلت الديار فما بها معمور

وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت  ×××  وتقول للأملاك أين تسير

وإذا تقاة المسلمين تزوجت  ×××  من حور عين زانهن شعور

وإذا الموءودة سئلت عن شأنها  ×××  وبأي ذنب قتلها ميسور

وإذا الجليل طوى السماء بيمينه  ×××  طي السجل كتابه المنشور

وإذا الصحائف نشرت فتطايرت  ×××  وتهتكت للمؤمنين ستور

وإذا السماء تكشطت عن أهلها  ×××  ورأيت أفلاك السماء تدور

وإذا الجحيم تسعرت نيرانها  ×××  فلها على أهل الذنوب زفير

وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت  ×××  لفتى على طول البلاء صبور

وإذا الجنين بأمه متعلق  ×××  يخشى القصاص وقلبه مذعور

هذا بلا ذنب يخاف جنينه  ×××  كيف المصر على الذنوب دهور

 

المطلب السابع

المحاسبي يصور أهوال ذلك اليوم

يقول الحارث المحاسبي رحمه الله واصفاً ما يقع في ذلك اليوم من أهوال : " حتى إذا تكاملت عدة الموتى ، وخلت من سكانها الأرض والسماء ، فصاروا خامدين بعد حركاتهم ، فلا حس يسع ، ولا شخص يُرى ، وقد بقي الجبار الأعلى كما لم يزل أزلياً واحداً منفرداً بعظمته وجلاله ، ثم لم يفجأ روحك إلا بنداء المنادي لكل الخلائق معك للعرض على الله عز وجل بالذل والصغار منك ومنهم . فتوهم كيف وقوع الصوت في مسامعك وعقلك ، وتفهم بعقلك بأنك تدعى إلى العرض على الملك الأعلى ، فطار فؤادك ، وشاب رأسك للنداء ، لأنها صيحة واحدة للعرض على ذي الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء – فبينما أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك ، فوثبت مغبراً من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك ، قائماً على قدميك ، شاخصاً ببصرك نحو النداء ، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة ، وهم مغبرون من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم .

فتوهم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم ، فتوهم نفسك بعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وغمومك وهمومك في زحمة الخلائق ، عراة حفاة صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة ، فلا تسمع إلا همس أقدامهم والصوت لمدة المنادي ، والخلائق مقبلون نحوه ، وأنت فيهم مقبل نحو الصوت ، ساعٍ بالخشوع والذلة ، حتى إذا وافيت الموقف ازدحمت الأمم كلها من الجن والإنس عراة حفاة ، قد نزع الملك من ملوك الأرض ، ولزمتهم الذلة والصغار ، فهم أذل أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدراً بعد عتوهم وتجبرهم على عباد الله عز وجل في أرضه .

ثم أقبلت الوحوش من البراري وذرى الجبال منكسة رؤوسها لذل يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق ذليلة ليوم النشور لغير بلية نابتها ولا خطيئة أصابتها ، فتوهم إقبالها بذلها في اليوم العظيم ليوم العرض والنشور .

وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها منكّسة رؤوسها ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والانكسار للملك الجبار ، وأقبلت الشياطين بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه فسبحان الذي جمعهم بعد طول البلاء، واختلاف خلقهم وطبائعهم وتوحش بعضهم من بعض ، قد أذلهم البعث وجمع بينهم النشور .

حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها ، واستووا جميعاً في موقف العرض والحساب تناثرت نجوم السماء من فوقهم ، وطمست الشمس والقمر ، وأظلمت الأرض بخمود سراجها وإطفاء نورها . فبينما أنت والخلائق على ذلك إذ صارت السماء الدنيا من فوقهم ، فدارت بعظمها من فوق رؤوسهم ، وذلك بعينك تنظر إلى هول ذلك ، ثم انشقت بغلظها خمسمائة عام ، فيا هول صوت انشقاقها في سمعك ، ثم تمزقت وانفطرت بعظيم هول يوم القيامة والملائكة قيام على أرجائها وهي حافات ما يتشقق ويتفطر ، فما ظنك بهول تنشق فيه السماء بعظمها ، فأذابها ربها حتى صارت كالفضة المذابة تخالطها صفرة لفزع يوم القيامة كما قال الجليل الكبير : ( فكانت وردةً كالدهان ) [ الرحمن : 37 ] ، ( يوم تكون السماء كالمهل – وتكون الجبال كالعهن ) [ المعارج : 8-9 ] .

فبينا ملائكة السماء الدنيا على حافتها إذ انحدروا محشورين إلى الأرض للعرض والحساب ، وانحدروا من حافتيها بعظم أجسامهم وأخطارهم وعلو أصواتهم بتقديس الملك الأعلى الذي أنزلهم محشورين إلى الأرض بالذلة والمسكنة للعرض عليه والسؤال بين يديه .

فتوهم تحدرهم من السحاب بعظيم أخطارهم وكبير أجسامهم وهول أصواتهم وشدة فرقهم منكسين لذل العرض على الله عز وجل . فيا فزعك وقد فزع الخلائق مخافة أن يكونوا أمروا بهم ، ومسألتهم إياهم : أفيكم ربنا ؟ ففزع الملائكة من سؤالهم إجلالاً لمليكهم أن يكون فيهم ، فنادوا بأصواتهم تنزيهاً لما توهمه أهل الأرض : سبحان ربنا ، ليس هو بيننا ، ولكنه آتٍ من بعد ، حتى أخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسين رؤوسهم لذل يومهم . فتوهمهم ، وقد تسربلوا بأجنحتهم ، ونكسوا رؤوسهم في عظم خلقهم بالذل والمسكنة والخشوع لربهم ، ثم كل شيء على ذلك وكذلك إلى السماء السابعة ، كل أهل سماء مضعفين بالعدد ، وعظم الأجسام ، وكل أهل سماء محدقين بالخلائق صفاً واحداً .

حتى إذا وافى الموقف أهل السماوات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حر عشر سنين وأدنيت من رؤوس الخلائق قاب قوس أو قوسين ، ولا ظِلَّ لأحد إلا ظل عرش رب العالمين ، فمن بين مستظل بظل العرش ، وبين مضحو بحر الشمس ، قد صهرته بحرها ، واشتد كربه وقلقه من وهجها ، ثم ازدحمت الأمم وتدافعت ، فدفع بعضهم بعضاً ، وتضايقت فاختلفت الأقدام وانقطعت الأعناق من العطش ، واجتمع حر الشمس ووهج أنفاس الخلائق وتزاحم أجسامهم ، ففاض العرق منهم سائلاً حتى استنقع على وجه الأرض ثم على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند الله عز وجل بالسعادة والشقاء , حتى إذا بلغ من بعضهم العرق كعبيه ، وبعضهم حقويه ، وبعضهم إلى شحمه أذنيه ، ومنهم من كاد أن يغيب في عرقه ، ومن قد توسط العرق من دون ذلك منه .

عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ( وقال مرة : إن الكافر ) ليقوم يوم القيامة في بحر رشحه إلى أنصاف أذنيه من طول القيام " [ متفق عليه ] .

وعن عبد الله رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الكافر يلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذلك اليوم ، ( وقال علي : من طول القيام . قالا جميعاً ) حتى يقول : رب أرحني ولو إلى النار . وأنت لا محالة أحدهم ، فتوهم نفسك راجعة لكربك وقد علاك العرق ، وأطبق عليك الغم ، وضاقت نفسك في صدرك من شدة العرق والفزع والرعب ، والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء ، حتى إذا بلغ المجهود منك ومن الخلائق منتهاه ، وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ينظرون في أمورهم .

عن قتادة أو كعب ، قال : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) [ المطففين : 6 ] . قال: " يقومون مقدار ثلاثمائة عام ، وقال سمعت الحسن يقول : ما ظنك بأقوام قاموا لله عز وجل على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ، ولم يشربوا فيها شربة ، حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش ، واحترقت أجوافهم من الجوع انصرف بهم إلى النار ، فسقوا من عين آنية قد آن حرها ، واشتد نفحها .

فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به ، كلَّم بعضهم بعضاً في طلب من يكرم على مولاه أن يشفع لهم في الراحة من مقامهم ووقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى النار من وقوفهم ، ففزعوا إلى آدم ونوح ومن بعده إبراهيم ، وموسى وعيسى من بعد إبراهيم ، كلهم يقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، فكلهم يذكر شدة غضب ربه عز وجل ، وينادي بالشغل بنفسه  فيقول : نفسي نفسي، فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لاهتمامه بنفسه وخلاصها ، وكذلك يقول الله عز وجل ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) [ النحل : 111 ] .

فتوهم أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم ، منفرد كل واحد منهم بنفسه ، ينادي نفسي نفسي ، فلا تسمع إلا قول نفسي نفسي . فيا هول ذلك وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه ، فما ظنك بيوم ينادي فيه المصطفى آدم ، والخليل إبراهيم ، والكليم موسى ، والروح والكلمة عيسى مع كرامتهم على الله – عز وجل – وعظم قدر منازلهم عند الله عز وجل ، كل ينادي : نفسي نفسي، شفقاً من شدة غضب ربه ، فأين أنت منهم في إشفاقك في ذلك اليوم واشتغالك ، وبحزنك وبخوفك ؟ حتى إذا أيس الخلائق من شفاعتهم لما رأوا من اشتغالهم لأنفسهم ، أتوا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم إليها ، ثم قام إلى ربه عز وجل واستأذن عليه ، فأذن له ، ثم خر لربه ساجداً ، ثم فتح عليه من محامده والثناء عليه لما هو أهله ، وذلك كله بسمعك وأسماع الخلائق ، حتى أجابه ربه عز وجل إلى تعجيل عرضهم والنظر في أمورهم (4) .

--------------------------------

(1) تفسير ابن كثير : (7/221) .

(2) حديث صحيح رواه الترمذي والحاكم وأحمد ، انظر صحيح الجامع : (3/301) ورقم الحديث : 6191 .

(3) التذكرة للقرطبي : 214 .

(4) كتاب التوهم والأهوال للحارث بن أسد المحاسبي : ص5 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M