البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> القيامة الكبرى >>

 

الشفاعة

عندما يشتد البلاء بالناس في الموقف العظيم ويطول بحث العباد عن أصحاب المنازل العالية ليشفوا لهم عند ربهم ، كي يأتي ربنا لفصل الحساب وتخليص الناس من كربات الموقف وأهواله ، فيطلبون من أبيهم آدم أن يقوم بهذه المهمة الكبيرة ، ويذكِّرونه بفضله وإكرام الله له ، فيأبى منها ، ويحيلهم إلى نوح أول رسول أرسله الله إلى البشر ، الذي سماه الله عبداً شكوراً ، فيأبى ويذكر ما كان منه من تقصير في بعض الأمور تجاه ربه ومولاه . وهكذا يحيلهم إلى من بعده من أولي العزم من الرسل ، والآخر يدفعها إلى من بعده ، حتى يأتوا الرسول الخاتم : محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .

فيقوم الرسول صلى الله عليه وسلم مقاماً يحمده عليه الأولون والآخرون ، وتظهر به منزلته العظيمة ، ودرجته العالية ، فيستأذن على ربه فيأذن له ، ويحمده ويمجِّده ، ويسأله في أمته ، فيستجيب له ، ذلك أن الله أعطى كل نبي دعوة في أمته لا ترد ، وقد استعجل كل نبي تلك الدعوة في الدنيا ، واختبأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته إلى ذلك الموقف الذي تحتاج فيه أمته إلى دعوته ، فصلوات الله وسلامه عليه ، فإنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، كما وصفه ربه ، وقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل نبي يسأل سؤالاً أو قال : لكل نبي دعوة دعاها لأمته ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " (1) .

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لكل نبي دعوة دعا بها في أمته ، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة " (2) .

وفي صحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجَّل كل نبي دعوته ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " (3) .

وروى الترمذي وأبو داود عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (4) .

المبحث الأول

أحاديث الشفاعة

وقد جاءت أحاديث كثيرة تصف الشفاعة العظمى ، وسنكتفي بإيراد ما جمعه ابن الأثير منها في جامع الأصول (5) .

1- روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن معبد بن هلال العنزي قال : " انطلقنا إلى أن بن مالك ، وتشفَّعنا بثابتٍ ، فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى ، فاستأذن لنا ثابت ، فدخلنا عليه ، وأجلس ثابتاً معه على سريره فقال له : يا أبا حمزة ، إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تُحدِّثهم حديث الشفاعة .

فقال : حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض ، فيأتون آدم ، فيقولون : اشفع لذريتك ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيم ، فإنه خليل الله ، فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بموسى ، فإنه كليم الله ، فيؤتى موسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسى ، فإنه رُوح الله وكلمته ، فيؤتى عيسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد .

فأوتى فأقول : أنا لها ، ثم أنطلق فاستأذن على ربي ، فيؤذن لي ، فأقوم بين يديه ، فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها ، ثم أخر لربنا ساجداً ، فيقول : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفَّع ، فأقول : يا رب ، أمتي أمتي، فيقول : انطلق فمن كان في قلبه حبة من برةٍ أو شعيرةٍ من إيمانٍ فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل .

ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخرُّ له ساجداً ، فيقال لي : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفَّع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقال لي : انطلق ، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل .

ثم أعود إلى ربي أحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً ، فيقال لي : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ، أمتي أمتي ، فيقال لي : انطلق ، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل " .

هذا حديث أنس الذي أنبأنا به ، فخرجنا من عنده ، فلما كنا بظهر الجبَّان (6) ، قلنا : لو مِلنا إلى الحسن فسلَّمنا عليه وهو مستخفٍ في دار أبي خليفة ؟ قال : فدخلنا عليه ، فسلمنا عليه ، قلنا : يا أبا سعيد ، جئنا من عند أخيك أبي حمزة ، فلم نسمع بمثل حديثٍ حدثناه في الشفاعة ، قال : هيه ، فحدَّثناه الحديث ، فقال: هيه ، قلنا : ما زادنا ؟ قال : قد حدثنا به منذ عشرين سنة ، وهو يومئذ جميع (7) ، ولقد ترك شيئاً ما أدري : أنسي الشيخ ، أم كره أن يحدثكم فتتكلوا ؟ قلنا له : حدثنا ، فضحك ، وقال : خلق الإنسان من عجل ، ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه .

قال : " ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً ، فيقال لي : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله ، قال : فليس ذلك لك ، أو قال : ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال : لا إله إلا الله " ، قال فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك – أُراه قال : قبل عشرين سنة – وهو يومئذ جميع .

وفي رواية قتادة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يجمع الله الناس يوم القيامة ، فيهتمون لذلك – وفي رواية : فيلهمون لذلك – فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ، حتى يريحنا من مكاننا هذا ؟ قال : فيأتون آدم ، فيقولون : أنت آدم أبو الخلق ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لست هناكم ، فيذكر خطيئته التي أصاب ، فيستحي ربَّه منها ، ولكن ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض .

قال : فيأتون نوحاً ، فيقول : لست هناكم ، فيذكر خطيئته التي أصاب ، فيستحي ربَّه منها ، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً ، فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست هناكم ، وذكر خطيئته التي أصاب ، فيستحي ربَّه منها ، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله وأعطاه التوراة .

قال : فيأتون موسى ، فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئته التي أصاب ، فيستحي ربَّه منها ، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول : لست هناكم ، ولكن ائتوا محمداً ، عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيأتونني ، فاستأذن على ربي ، فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله ، فيقال : يا محمد ، ارفع ، قل يسمع ، سل تعطه ، اشفع تشفع ، فأرفع رأسي ، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ، ثم أشفع ، فيُحدّ لي حداً ، فأخرجهم من النار ، وأدخلهم الجنة ، ثم أعود فأقع ساجداً ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال لي : ارفع يا محمد ، قل يسمع ، سل تعطه ، اشفع تشفع ، فأرفع رأسي ، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع ، فيحد لي حداً ، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة .

قال : فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة فأقول : يا رب ، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ، أو وجب عليه الخلود " أخرجه البخاري ومسلم .

وأخرجه البخاري تعليقاً : عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحبس المؤمن يوم القيامة . وذكر نحوه ، وفي آخره : ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن – أي أوجب عليه الخلود – ثم تلا هذه الآية : ( عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا )[ الإسراء : 79 ] ، قال : وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم " .

زاد في رواية : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن برَّة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة " .

قال يزيد بن زُريع : فلقيت شعبة ، فحدثته بالحديث ، فقال شعبة : حدثنا به قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث ، إلا أن شعبة جعل مكان (( ذُرَةً )) . قال يزيد : صحف فيها أبو بسطام ، كذا في كتاب مسلم من رواية يزيد عن شعبة . قال البخاري : وقال أبان عن قتادة بنحوه . وفيه (( من إيمان )) مكان (( خير )) زاد في رواية : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – في حديث سؤال المؤمنين الشفاعة – " فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه " وللبخاري طرف منه عن حميد عن أنس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا كان يوم القيامة شفعت ، فقلت: يا ربِّ أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة ، فيدخلون ، ثم أقول : أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء . قال أنس : كأني أنظر إلى أصابع النبي صلى الله عليه وسلم " (8) .

2- وروى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة ، فرفع إليه الذراع – وكانت تعجبه – فنهس منها نهسة (9) ، وقال : أنا سيد الناس يوم القيامة ، هل تدرون : مم ذاك ؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ، فيبصرهم الناظر ، ويسمعهم الداعي ، وتدنو منهم الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقول الناس : ألا ترون إلى ما أنتم فيه ، إلى ما بلغكم ، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم .

فيأتونه ، فيقولون : يا آدم ، أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، وأسكنك الجنة ، ألا تشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا ؟ فقال : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولا يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت ، نفسي ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح .

فيأتون نوحاً ، فيقولون : يا نوح ، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وقد سماك الله عبداً شكوراً ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما بلغنا ؟ ألا تشفع لنا عند ربك ؟ فيقول : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي ، نفسي ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى إبراهيم .

فيأتون إبراهيم ، فيقولون : أنت نبي الله ، وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، أما ترى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله ، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات .. فذكرها ، نفسي ، نفسي ، نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى موسى .

فيأتون موسى فيقولون : أنت رسول الله ، فضّلك برسالاته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، أما ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها ، نفسي ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى .

فيأتون عيسى فيقولون : أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروحٌ منه ، وكلمت الناس في المهد ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟

فيقول عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، ولم يذكر ذنباً ، نفسي ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمـد .

فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم – وفي رواية : فيأتوني – فيقولون : يا محمد ، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فأنطلق ، فآتي تحت العرش ، فأقع ساجداً لربي ، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال : يا محمد ، ارفع رأسك سل تعطه ، واشفع تشفع ، فأرفع رأسي ، فأقول : أمتي يا رب ، أمتي يا رب ، أمتي يا رب ، فيقال : يا محمد ، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ، كما بين مكة وهجر – أو كما بين مكة وبصرى – وفي كتاب البخاري . كما بين مكة وحمير .

وفي رواية قال : " وضعت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قصعة من ثريد ولحم ، فتناول الذراع – وكانت أحب الشاة إليه – فنهس نهسة ، فقال : أنا سيد الناس يوم القيامة ، ثم نهس أخرى ، فقال : أنا سيد الناس يوم القيامة ، فلما رأى أصحابه لا يسألونه ، قال : ألا تقولون : كيفه ؟ قالوا : كيفه يا رسول الله ؟ قال : يقوم الناس لرب العالمين ..

وساق الحديث بمعنى ما تقدم ، وزاد في قصة إبراهيم ، فقال : وذكروا قوله في الكوكب : هذا ربي ، وقوله لآلهتهم ، بل فعله كبيرهم هذا ، وقوله : إني سقيم ، وقال : والذي نفس محمد بيده ، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر ، أو هجر ومكة ، لا أدري أي ذلك قال ؟ " .

أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ، إلا أن في كتاب مسلم " نفسي نفسي " مرتين في قول كل نبي ، والحميدي ذكر كما نقلناه ، وفي رواية الترمذي " نفسي ، نفسي ، نفسي " ثلاثاً في الجميع (10) .

3- وروى مسلم عن حذيفة بن اليمان ، وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يجمع الله تبارك وتعالى الناس ، فيقوم المؤمنون حتى تُزلف لهم الجنة ، فيأتون آدم ، فيقولون : يا أبانا ، استفتح لنا الجنة ، فيقول : وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم ؟ ليست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله .

قال : فيقول إبراهيم : ليست بصاحب ذلك ، إنما كنت خليلاً من وراءَ وراءَ ، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه تكليماً ، قال : فيأتون موسى ، فيقول : لست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه ، فيقول عيسى : لست بصاحب ذلك ، فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم ، فيقوم ، فيؤذن له ، وترسل الأمانة والرحم ، فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً ، فيمر أولكم كالبرق .

قال : قلت : بأبي وأمي ، أي شيء كالبرق ، قال : ألم تروا إلى البرق كيف يمرّ ويرجع في طرفة عين ؟ ثم كمر الريح ، ثم كمطر الطير ، وشد الرجال ، تجري بهم أعمالهم ، ونبيكم قائم على الصراط ، فيقول : رب سلم سلم ، حتى تعجز أعمال العباد ، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً ، قال : وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة ، تأخذ من أمرت به ، فمخدوش ناج ، ومكدوس (11) في النار ، والذي نفس أبي هريرة بيده ، إن قعر جهنم لسبعين (12) خريفا " (13) .

4- روي الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ – آدم فمن سواه – إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ، فقال : فيفزع الناس ثلاث فزعات ، فيأتون آدم ، فيقولون : أنت أبونا آدم ، فاشفع لنا إلى ربك ، فيقول : إني أذنت ذنباً فأهبطت به إلى الأرض ، ولكن ائتوا نوحاً .

فيأتون نوحاً ، فيقول : إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأُهلكوا ، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم ، فيأتون إبراهيم ، فيقول : إني كذبت ثلاث كذبات ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما منها كذبة إلا ماحل (14) بها عن دين الله ، ولكن ائتوا موسى ، فيأتون موسى ، فيقول : قد قتلت نفساً ، ولكن ائتوا عيسى ، فيأتون عيسى ، فيقول : إني عُبدت من دون الله ، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فانطلق معهم .

قال ابن جدعان : قال أنس : فكأني أنظر إلى رسول الله ، قال : فآخذ بحلقة باب الجنة ، فأقعقعها ، فيقال : من هذا ؟ فيقال : محمد ، فيفتحون لي ويرحبون ، فيقولون : مرحباً ، فأخر ساجداً ، فيلهمني الله من الثناء والحمد ، فيقال لي : ارفع رأسك ، سل تعط ، واشفع تشفع ، وقل يُسمع لقولك ، وهو المقـام المحمود الذي قـال الله تعالى : ( عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) [ الإسراء : 79 ] قال سفيان : ليس عن أنس إلا هذه الكلمة " فآخُذُ بحلقة باب الجنة فأُقعْقِعُها " أخرجه الترمذي (15) .

--------------------------------

(1) جامع الأصول : 10/475 ، ورقم الحديث : 8009 .

(2) جامع الأصول :10/467 ، ورقم الحديث : 8010 .

(3) جامع الأصول : 10/476 ، ورقم الحديث : 8011 .

(4) جامع الأصول : 10/476 ، ورقم الحديث: 8012 وإسناده صحيح كما قال محقق الكتاب .

(5) جامع الأصول : 10/477 ، وقد أبقينا تخريج محقق الكتاب على حاله في الهامش .

(6) الجبان، والجبانة : المقابر .

(7) رجل جميع ، أي : مجتمع الخلق قوي ، لم يهرم ، ولم يضعف .

(8) رواه البخاري 13/395 –397 في التوحيد ، باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ، وباب قول الله تعالى : ( لما خلقت بيدي ) ، وباب قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليماً ) وفي تفسير سورة البقرة ، باب قول الله تعالى : " ( وعلَّم آدم الأسماء كلها ) ، وفي الرقاق ، باب صفة الجنة والنار ،ومسلم رقم 193 في الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها .

(9) النهس : أخذ اللحم بمقدم الأسنان .

(10) رواه البخاري : 6/264 و 265 في الأنبياء ، باب قول الله عز وجل : ( ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ) ، وباب قوله تعالى : ( واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) وفي تفسير سورة بني إسرائيل باب ( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً ) ، ومسلم رقم : 194 في الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ، والترمذي رقم : 2436في صفة القيامة ، باب ما جاء في الشفاعة .

(11) وفي بعض النسخ ومكردس .

(12) وفي بعض النسخ : لسبعون ، وكلاهما صحيح ، وانظر ما قاله النووي في شرح مسلم .

(13) صحيح مسلم ، رقم: 195 في الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها .

(14) المماحلة : المخاصمة والمجادلة .

(15) سنن الترمذي ، رقم : 3147 في التفسير ، باب ومن سورة بني إسرائيل ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وهو كما قال .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M