البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> القيامة الكبرى >>

 

تصوير القرطبي لمشهد الحساب

قال القرطبي مصوراً مشهد الحساب : " فإذا بعث العباد من قبورهم إلى الموقف ، وقاموا فيه ما شاء الله ، حفاة عراة ، وجاء وقت الحساب الذي يريد الله أن يحاسبهم فيه ، أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون بذكر أعمال الناس فأتوها ، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه ، فأولئك هم السعداء ، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله أو وراء ظهره ، وهم الأشقياء ، فعند ذلك يقرأ كل كتاب به ، وأنشدوا :

مثل وقوفك يوم العرض عرياناً  ×××  مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا

والنار تلهَّب من غيظ ومن حنق  ×××  على العصاة ورب العرش غضبانا

اقرأ كتابك يا عبدي على مهل  ×××  فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا

لما قرأت ولم تنكر قراءته  ×××  إقرار من عرف الأشياء عرفانا

نادى الجليل خذوه يا ملائكتي  ×××  امضوا بعبد عصا للنار عطشانا

المشركون غداً في النار يلتهبوا  ×××  والمؤمنون بدار الخلد سكانا

فتوهم نفسك يا أخي إذا تطايرت الكتب ، ونصبت الموازين ، وقد نوديت باسمك على رؤوس الخلائق : أين فلان بن فلان ؟ هلم إلى العرض على الله تعالى . وقد وكلت الملائكة بأخذك ، فقربتك إلى الله ، لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك ، إذ عرفت أنك المراد بالدعاء إذا قرع النداء قلبك ، فعلمت أنك المطلوب ، فارتعدت فرائصك ، واضطربت جوارحك ، وتغير لونك ، وطار قلبك ، تخطى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه ، والوقوف بين يديه ، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم ، وأنت في أيديهم ، وقد طار قلبك ، واشتد رعبك ، لعلمك أين يراد بك .

فتوهم نفسك ، وأنت بين يدي ربك ، في يدك صحيفة مخبرة بعملك ، لا تغادر بلية كتمتها ، ولا مخبأة أسررتها ، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل ، وقلب منكسر ، والأهوال محدقة بك من بين يديك ومن خلفك ، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها! وكم من سيئة قد كنت أخفيتها قد أظهرها وأبداها! وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فرده عليك في ذلك الموقف وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيماً ! فيا حسرة قلبك ، ويا أسفك على ما فرطت فيه من طاعة ربك .

فأما من أوتي كتابه بيمينه ، فعلم أنه من أهل الجنة ، فيقول : هاؤم اقرأوا كتابية ، وذلك حين يأذن الله ، فيقرأ كتابه ، فإذا كان الرجل رأساً في الخير يدعوا إليه ، ويأمر به، ويكثر تبعه عليه ، دعي باسمه واسم أبيه ، فيتقدم حتى إذا دنى أخرج له كتاب أبيض ، في باطنه السيئات ، وفي ظاهره الحسنات ، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيشفق ويصفر وجهه ويتغير لونه ، فإذا بلغ آخر الكتاب ، وجد فيه : هذه سيئاتك ، وقد غفرت لك ، فيفرح عند ذلك فرحاً شديداً ، ثم يقلب كتابه ، فيقرأ حسناته ، فلا يزداد إلا فرحاً ، حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجده فيه : هذه حسناتك ، قد ضوعفت لك ، فيبيض وجهه ، ويؤتى بتاج ، فيوضع على رأسه ، ويكسى حلتين ، ويحلى كل مفصل فيه ، ويطول ستين ذراعاً، وهي قامة آدم . ويقال له : انطلق إلى أصحابك فبشرهم ، وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا ، فإذا أدبر قال : ( هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ - إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ ) . قال الله تعالى : ( فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ) [الحاقة : 19-21] ، أي مرضية ، قد رضيها ( فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) ، في السماء ( قُطُوفُهَا ) ، ثمارها وعناقيدها ( دَانِيَةٌ ) أدنيت منهم . فيقول لأصحابه : هل تعرفوني ؟ فيقولون : قد غمرتك كرامة الله ، من أنت ؟ فيقول : أنا فلان بن فلان ، ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) (1) أي قدمتم في أيام الدنيا .

وإذا كان الرجل رأساً في الشر يدعو إليه ، ويأمر به ، فيكثر تبعه عليه ، ونودي باسمه واسم أبيه ، فيتقدم إلى حسابه ، فيخرج له كتاب أسود ، بخط أسود ، في باطنه الحسنات ، وفي ظاهره السيئات ، فبدأ بالحسنات فيقرؤها ، ويظن أنه سينجو ، فإذا بلغ آخر الكتاب ، وجد فيه : هذه حسناتك ، وقد ردت عليك ، فيسود وجهه ، ويعلوه الحزن ، ويقنط من الخير ، ثم يقلب كتابه ، فيقرأ سيئاته ، فلا يزداد إلا حزناً ، ولا يزداد وجهه إلا سواداً . فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه : هذه سيئاتك ، وقد ضوعفت عليك ، أي يضاعف عليه العذاب ، ليس المعنى أنه يزاد عليه ما لم يعمل . قال : فيعظم في النار ، وتزرق عيناه ، ويسود وجهه ، ويكسى سرابيل القطران .

ويقال له : انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا ، فينطلق وهو يقول : ( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ - وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ - يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ) يعني الموت ( هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ) فسره ابن عباس رضي الله عنهما : هلكت عني حجتي . قال الله تعالى : ( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ - ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) أي اجعلوه يصلى الجحيم ( ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ) الله أعلم بأي ذراع . قال الحسن وقال ابن عباس رضي الله عنهما : سبعون ذراعاً بذراع الملك . ( فاسلكوه ) ، قيل : يدخل عنقه فيها ، ثم يجر بها ، ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب .

فينادي أصحابه فيقول : هل تعرفوني ؟ فيقولون : لا ، ولكن قد نرى ما بك من الحزن . فمن أنت ؟ فيقول : أنا فلان بن فلان ، لكل إنسان منكم مثل هذا .

وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ، تخلع كتفه اليسرى ، فيجعل يده خلفه ، فيأخذ بها كتابه . وقال مجاهد : يحول وجهه في موضع قفاه ، فيقرأ كتابه كـذلك .

فتوهم نفسك إن كنت من السعداء ، وقد خرجت على الخلائق مسرور الوجه ، قد حل بك الكمال والحسن والجمال ، كتابك في يمينك ، أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق : هذا فلان بن فلان ، سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً . وأما إن كنت من أهل الشقاوة ، فيسود وجهك ، وتتخطى الخلائق كتابك في شمالك ، أو من وراء ظهرك ، تنادي بالويل والثبور ، وملك آخذ بضبعيك ينادي على رؤوس الخلائق : ألا إن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً (2) .

--------------------------------

(1) الآيات التي استشهد بها المصنف في كلامه من سورة الحاقة : 19-32 .

(2) تذكرة القرطبي : 255 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M