البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> القضاء والقدر >>

 

التاركون للعمل اتكالاً على القدر

ضل فريق آخر في باب القدر فقالوا : إذا كان الله عالماً بكل شيء نفعله ، وعالماً بمصيرنا إلى الجنة أو النار ، وكان هو الخالق لأفعالنا ، فلماذا نعمل وننصب ؟ ولماذا لا نترك الأقدار تجري في أَعِنَّتِهَا ، وسيأتينا ما قدر لنا شئنا أم أبينا .

وقد تَعمَّقَتْ هذه الضلالة عند طوائف من العُبَّاد والزهاد وأهل التصوف ، ولم تقله طائفة واحدة بعينها من طوائف أهل المقالات ، وكان ولا يزال هذا القول على ألسنة كثير من جهال المسلمين وأهل الزيغ والزندقة (1) .

وهذا الفريق يؤمن بالقدر ، وأن الله عالم بكل شيء ، وخالق لكل شيء ، ومريد لجميع الكائنات ، ولكنهم زعموا أن كل ما خلقه الله وشاءه فقد رضيه وأحبه ، وزعموا أنه لا حاجة بالعباد إلى العمل والأخذ بالأسباب ، فما قُدِّر لهم سيأتيهم ، وزعموا أن العباد مجبورون على أفعالهم ، فالإنسان عندهم ليس له قدرة تؤثر في الفعل ، بل هو مع القدر كالريشة في مهب الريح ، وكالساقط من قمة جبل شامخ إلى واد بعيد غورهُ ، سحيق قَعُره ، لا يملك وهو يتردى فيه من أمره شيئا ً .

لقد ترك هؤلاء العمل احتجاجاً بالقدر قبل وقوعه ، واحتجوا بالقدر على ما يقع منهم من أعمال مخالفة للشرع ، ووصل بهم الحال إلى عدم التفريق بين الكفر والإيمان ، وأهل الهدى والضلال ، لأن جميع ذلك خلق الله ، فلم التفريق ؟

إن هذه العقيدة المنحرفة أضلت عقولاً كثيرة وانحرف مسارها عن جادة الحق والصواب ، فاضطربت عندها موازين العدل والحق ، وعطلت هذه العقيدة المنحرفة طاقات هائلة في العالم الإسلامي ، أقعدتها عن العمل ، بل جيَّرت أعمالها لمصلحة أعداء الإسلام في بعض الأحيان .

لقد كان من آثار هذه العقيدة الزعم بأن الله أحب الكفر والشرك والقتل والزنا والسرقة وعقوق الوالدين وغير ذلك من الذنوب والمعاصي ، لأنهم يزعمون أن كل شيء خلقه الله وأوجده فهو يحبه ويرضاه .

ومن آثارها أن أصحابها تركوا الأعمال الصالحة الخيرة التي توصلهم إلى الجنة وتنجيهم من النار ، وارتكبوا كثيراً من الموبقات بدعوى أن القدر آت آت ، وكل ما قدر للعبد سيصيبه ، فلماذا العمل والتعب والنصب .

لقد ترك هؤلاء الأخذ بالأسباب ، فتركوا الصلاة والصيام ، كما تركوا الدعاء والاستعانة بالله والتوكل عليه ، لأنه لا فائدة منها ، فالذي يريده الله ماض قادم لا ينفع معه  دعاء ولا عمل .

ورضي كثير من هؤلاء بظلم الظالمين وإفساد المفسدين ، لأن ما يفعلوه قدر الله وإرادته .

وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يهتموا بإقامة الحدود والقصاص ، لأن ما وقع من المفاسد والجرائم مقدر لا بدَّ منه .

وقد عرض شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – لهذا الفريق ومعتقده وحاله في مواضع من كتبه ، فقال : " الذين اعترفوا بالقضاء والقدر ، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي ، فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي ، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق ، وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها ، وهذا هو الذي يُبتلى به كثيراً – إمّا اعتقاداً وإما حالاً – طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات ، وإسقاط الواجبات ، ورفع العقوبات " (2) .

وقال أيضاً فيهم : " هؤلاء رأوا أن الله خالق المخلوقات كلها ، فهو خالق أفعال العباد ، ومريد الكائنات ، ولم يميزوا بعد ذلك بين إيمان وكفر ، ولا عرفان ولا نكر ، ولا حق ولا باطل ، ولا مهتدي ولا ضال ، ولا راشد ولا غوي ، ولا نبي ولا متنبيء ، ولا ولي لله ولا عدو ، ولا مرضي لله ولا مسخوط ، ولا محبوب لله ولا ممقوت ، ولا بين العدل والظلم ، ولا بين البر والعقوق ، ولا بين أعمال أهل الجنة وأعمال أهل والنار ، ولا بين الأبرار والفجار ، حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق والمشيئة النافذة والقدرة الشاملة والخلق العام ، فشهدوا المشترك بين المخلوقات ، وعموا عن الفارق بينهما " (3) .

" وقد يغلو أصحاب هذا الطريق حتى يجعلوا عين الموجودات هي الله ، ويمسكون بموافقة الإرادة القدرية في السيئات الواقعة ممنهم ، كقول الحريري : أنا كافر برب يعصى ، وقول بني إسرائيل :

أصبحت منفعلاً لما يختاره  ×××  مني ففعلي كله طاعات

وقد يسمون هذا حقيقة باعتبار أنه حقيقة الربوبية " (4) .

وعرض ابن القيم لهذه الفرقة وضلالاتها في كتابه القيم " شفاء العليل " فقال : " ثم نبغت طائفة أخرى زعمت أن حركة الإنسان الاختيارية – ولا اختيار – كحركة الأشجار عند هبوب الرياح ، وكحركات الأمواج ، وأنه على الطاعة مجبور ، وأنه غير ميسر لما خلق له ، بل هو عليه مجبور ومقصور .

ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين ، ولمنهاجهم مقتفين ، فقرروا هذا المذهب وانتموا إليه ، وحققوه ، وزادوا عليه أن تكاليف الرب تعالى لعباده كلها تكليف مالا يطاق ، وأنها في الحقيقة كتكليف المقعد أن يرقى إلى السبع الطباق ، فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد ، ولا هو بمقدوره ، وإنما هو تكليف بفعل من هو منفرد بالخلق ، وهو على كل شيء قدير ، فكلف عباده بأفعاله ، وليسوا عليها قادرين ، ثم عاقبهم عليها ، وليسوا في الحقيقة لها فاعلين .

ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العُبَّاد ، فقالوا : ليس في الكون معصية البتَّة ، إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد ، كما قيل :

  أصبحت منفعلاً لما يختاره  ×××  مني ففعلي كله طاعــات

ولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال : إن كنت عصيت أمره ، فقد أطعت إرادته ، ومطيع الإرادة غير ملوم ، وهو في الحقيقة غير مذموم ، وقرر محققوهم من المتكلمين في هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحدة ، فمحبته هي نفس مشيئته ، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه ، وكل ما شاءه فقد أحبه .

... ولقد ظنت هذه الفرقة بالله أسوأ الظنون ، ونسبته إلى أقبح الظلم ، وقالوا : إن أوامر الرب ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السماوات ، وكتكليف الميت إحياء الأموات ، والله يعذب عباده أشدَّ التعذيب على فعل مالا يقدرون على تركه ، وعلى ترك مالا يقدرون على فعله ، بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور ، وليس أحد ميسر له ، بل هو عليه مقهور ، ونرى العارف منهم ينشد مترنماً ، ومن ربه متشكياً ومتظلماً :

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له  ×××  إياك إياك أن تبتل بالماء " (5) .

وقد تنبه ابن القيم إلى أن هذا  الصنف من البشر قصدوا " تحميل ذنوبهم على الأقدار ، وتبريئها من الذنوب والأوزار ، وقالوا إنها في الحقيقة فعل الخلاق العليم ." (6) .

وتنبه المقدم لكتاب " الشفاء " إلى أن هذا السبب هو الذي جعل " الاتجاه السائد في كل العصور هو الجبر " فقال : " عقيدة الجبر تحمل عن الإنسان تبعاته ، وتضع عنه أوزار ما اقترف من الإثم ، وتلقي التبعة على القوة التي حركت الإنسان ، ودفعت رغبته وقادته في تصرفاته ، فكاد السواد الأعظم من الناس يدين بالجبر ، فمن كان وثنياً اعتقد بأن أمره بيد الآلهة التي يعبدها ، يلقي التبعة على الدهر ، ويعتقد أن المرء طوع تقلب الحدثان .

ومن يقول أنه مؤمن بالله يعتقد أن الأقدار تُسيرِّه كيف تشاء ، وأنه  مسلوب الإرادة عديم الاختيار ، حتى اتخذ هذا البحث مظهراً جديداً في العصور الحديثة ، حيث قال المجبرة منهم : إن إرادة الإنسان مقيدة بالغرائز والوراثة والبيئة ،وليس للإنسان يد في إحداث هذه الأمور ، وإذن فليس له اختيار فيما يقترف من ذنب وإثم ، لأن الإرادة لا أثر لها في البواعث النفسية ، بل هي ثمرة هذه البواعث ، وهي خاضعة لمؤثرات نفسية أو خارجية خضوعاً لا محيص عنه .

ولما انتشرت فكرة الجبر بين المسلمين في العصور  المتأخرة عن طريق الطرق الزائغة والمتصوفة أضرَّت ضرراً عظيماً ، سيما مع ترك الأسباب .

قال بعضهم :

جرى قلم القضاء بما يكون  ×××  فسيان التحرك والسكون

جنون منك أن تسعى لرزق  ×××  ويرزق في غيابته الجنين" (7) .

ومقالة هذا الفريق تؤدي إلى الكفر بالله ، والتكذيب بما جاء في كتبه ، وأخبرت به رسله ، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى :

" فمن أثبت القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي ، ولم يثبت القدر ، وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل بين جميع الخلق ، فإن من احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات ، ولم يفرق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكفار ، وأهل الطاعة وأهل المعصية لم يؤمن بأحد من الرسل ، ولا بشيء من الكتب ، وكان عنده آدم وإبليس سواء ، ونوح وقومه سواء ، وموسى وفرعون سواء ، والسابقون الأولون والكفار سواء " (8) .

وقال فيهم أيضاً : " من يقر بتقدم علم الله وكتابه ، ولكن يزعم أن ذلك يغني عن الأمر والنهي والعمل ، وأنه لا يحتاج إلى العمل ، بل من قضى بالسعادة دخل الجنة ، بلا عمل أصلاً ، ومن قضى بالشقاوة شقي بلا عمل ، فهؤلاء أكفر من أولئك ( يعني المكذبين بالقدر ) وأضل سبيلاً ، ومضمون قول هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بكثير " (9) .

وقال أيضاً : " هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى ، فإن اليهود والنصارى يؤمنون بالأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، لكن حرفوا وبدلوا وآمنوا ببعض وكفروا ببعض ." (10) .

--------------------------------

(1) راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/ 59، 99، 256 .

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/256 .

(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/60 .

(4) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/257 .

(5) شفاء العليل لابن القيم : ص 15 - 16 .

(6) شفاء العليل : ص 16 .

(7) شفاء العليل : ص5 .

(8) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/ 100 .

(9) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/288 .

(10) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/262 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M