البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> القضاء والقدر >>

 

 الرد على القدرية الجبرية

والرد على ضلال هذه الفرقة من وجوه :

الأول : خطؤهم في إطلاق اسم الجبر على ما يؤديه الإنسان من أفعال :

استعمل هؤلاء لفظاً لم يرد به الكتاب والسنة ، والواجب على العباد أن يستخدموا الألفاظ التي جاءت بها النصوص ، روى اللالكائي بإسناده إلى بقية قال : سألت الأوزاعي والزبيدي عن الجبر ؟

فقال الزبيدي : أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر ويقهر ، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب .

وقال الأوزاعي : ما أعرف للجبر أصلاً من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل ، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ." (1) .

وورد مثل هذه الأقوال عن جمع من علماء السلف مثل سفيان الثوري وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم (2) .

وإنما أنكروا إطلاق القول بأن الإنسان مجبر على فعله ، لأن لفظ ( الجبر ) مجمل ، فقد يراد بالإجبار معنى الإكراه كقولك : أجبر الأب ابنته على النكاح ‘ وجبر الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه ومعنى الإجبار هنا الإكراه ، فيكون معنى قولهم : أجبر الله العباد ، أي : أكرههم ، لا أنه جعلهم مريدين لأفعالهم مختارين لها عن حبٍّ ورضا .

وإطلاق هذا على الله – تبارك وتعالى – خطأ بين ، " فإن الله أعلى وأجل من أن يجبر أحداً ، وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريداً للفعل مختاراً له محباً له راضياً به ، والله سبحانه قادر على ذلك ، فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له الراضي به مريداً له محباً له راضياً به ، فكيف يقال أجبره وأكره ، كما يجبر المخلوق المخلوق (3) .

وأما إطلاق الجبر مراداً به أن الله جعل العباد مريدين لما يشاء منهم مختارين له من غيره إكراه فهذا صحيح ، وقال بعض السلف في معنى الجبار : هو الذي جبر العباد على ما أراد (4) .

ولما كان لفظ الجبر لفظ مجمل يطلق على هذا وهذا منع السلف من إطلاقه نفياً أو إثباتاً .

ذكر شيخ الإسلام عن أبي بكر الخلال في كتابه ( السنة ) أن المروذي قال  للإمام أحمد : يا أبا عبد الله ، رجل يقول إن الله أجبر العباد ، فقال : هكذا لا نقول ، وأنكر ذلك وقال : يُضلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء .

وذكر عن المروذي أن رجلاً قال : إن الله لم يجبر العباد على المعاصي ، فرد عليه آخر ، فقال : إن الله جبر العباد ، أراد بذلك إثبات القدر ، فسألوا عن ذلك أحمد بن حنبل ، فأنكر عليهما جميعاً على الذي قال جَبَر ، وعلى الذي قال لم يجبر حتى تاب ، وأمره أن يقول : يضل من يشاء ويهدي من يشاء  .

وذكر عن إسحاق الفزاري قال : جاءني الأوزاعي فقال : أتاني رجلان فسألاني عن القدر ، فأجبت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما .

قلت : رحمك الله ، أنت أولى بالجواب .

قال : فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان ، فقال : تكلما .

فقالا : قدم علينا ناس من أهل القدر، فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه ، حتى بلغ بنا وبهم إلى أن قلنا : إن الله جبرنا على ما نهانا عنه ، وحال بيننا وبين ما أمرنا به ، ورزقنا ما حرَّم علينا .

فقلت : يا هؤلاء ، إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة ، وأحدثوا حدثاً ، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه .

فقال الأوزاعي : أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق ." (5) .

 الثاني : إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل :

الذين يزعمون أن الإنسان ليس له إرادة يفعل بها ألغوا عقولهم ، فضلوا وأضلوا ، وإلا فإننا نعلم من أنفسنا أن حركتنا ليست كحركة الجماد ، الذي لا يملك شيئاً لذاته في تحركه وسكونه .

بل إننا نفرق بين الحركات غير الإرادية التي تجرى في أجسادنا وبين الحركات الإرادية ، فحركة القلب ، وحركة الرئتين ، وجريان الدم في دورته في عروق الإنسان ، وآلاف العمليات المعقدة التي تجري في أجسادنا – من غير أن نعرفها ونعلم بها – ليس لنا فيها خيار ، بل هي حركات اضطرارية ليس للإنسان إرادة في إيجادها وتحقيقها ، ومثل ذلك حركة المرعوش الذي لا يملك إيقاف اهتزاز يده .

أما أكل الإنسان وشربه وركوبه ، وبيعه وشراؤه ، وقعوده وقيامه ، وزواجه وطلاقه ، ونحو ذلك فهو يتم بإرادة وقدرة ومشيئة ، والذين يسلبون الإنسان هذه القدرة ضلت عقولهم ، واختلفت عندهم الموازين .

والقرآن مليء بإسناد الأفعال إلى من قاموا بها كقوله تعالى : ( وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ) [ يس : 20 ] ( فلما أسلما وتله للجبين ) [ الصافات : 103 ] ( فوكزه موسى فقضى عليه ) [ القصص : 15 ]  ( فخرج على قومه في زينته ) [ القصص : 79 ] والنصوص في هذا كثيرة يصعب إحصاؤها تسند الأفعال إلى من قاموا بها .

الوجه الثالث : زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه :

وهذا زعم باطل ، فالله شاء وجود الكفر والشرك والذنوب والمعاصي من الزنا والسرقة وعقوق الوالدين والكذب وقول الزور ، وأكل مال الناس بالباطل ، ولكنه كرهها وأبغضها ونهى عباده عنها .

قال ابن القيم : " أخبرني شيخ الإسلام – قدس الله روحه – أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغض الله ورسوله .

فقال له الملوم : المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب ، وجميع ما في الكون مراده ، فأي شيء أبُغضُ منه ؟

فقال له الشيخ : إذا كان الله قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم ، فواليتهم أنت وأحببت أفعالهم ورضيتها ، تكون موالياً له أو معادياً له ؟

قال : فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة " (6) .

وسيأتي مزيد بحث في هذه المسألة عند الحديث عن الإرادة الكونية والإرادة الشرعية .

الوجه الرابع : زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب :

لقد أخطأ هذا الفريق في دعواه أن الإيمان بالقدر لا يحتاج العبد معه إلى العمل ، وذهل هؤلاء عن حقيقة القدر ، فالله قدرَّ النتائج وأسبابها ، ولم يقدر المسببات من غير أسباب ، فمن زعم أن الله قدر النتائج والمسببات من غير مقدمتها وأسبابها فقد أعظم على الله الفرية .

فالله إذا قدرَّ أن يرزق فلاناً رزقاً جعل لذلك الرزق أسباباً ينال بها ، فمن ادعى أن لا حاجة به إلى السعي في طلب الرزق وأنَّ ما قدر له من رزق سوف يأتيه سعي أو لم يسع لم يفقه قدر الله في عباده .

وإذا قدر الله أن يرزق فلاناً ولداً ، فإنه يكون قدر له أن يتزوج ويعاشر زوجه ، فالأسباب هي من الأقدار .

والله يقدر أن فلاناً يدخل الجنة ، ويقدر مع ذلك أن هذا الإنسان يؤمن ويعمل الصالحات ، ويستقيم على أمر الله ، ويقدر أن فلاناً يكون من أهل النار ، ويقدر أسباب ذلك من تركه الإيمان والأعمال الصالحة .

ويقدر أن فلاناً يمرض فيتناول الدواء فيشفى ، فالله قدر المرض ، وقدر السبب الذي يزيل المرض ويحقق الشفاء .

والله يقدر أن فلاناً يدعوه ويستغيث به ، فيجيب دعاءَه ويقبل رجاءَه ، ويقدر أن فلاناً لا يدعوه ولا يرجوه، فيكله إلى نفسه ، ويبقيه في تعسه ، فالله قدر المسببات وقدر أسبابها ، ومن زعم أن المسبب يقع من غير سبب فإنه لم يفقه دين الله ، ولم يعرف قدر الله ، وهو كمن يزعم أن الولد يأتي من غير سبب ، وأن الزرع يحصل من غير ماء ولا تراب ، وأن الشبع يحدث من غير طعام ، والري يكون من غير تناول شراب .

والنصوص الدالة على هذا الذي شرحناه وبيناه كثيرة وافرة .

ونصوص الكتاب والسنة حافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شؤون الحياة ، فقد أمرت بالعمل والسعي في طلب الرزق ، واتخاذ العدة لمواجهة الأعداء ، والتزود للأسفار .

قال تعالى : ( فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) [ الجمعة : 10 ] وقال : ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) [ الملك :15 ] وقال : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) [ الأنفال : 60 ] وأمر المسافرين للحج بالتزود ( وتزودا فإن خير الزاد التقوى ) [ البقرة : 197 ] وأمر بالدعاء والاستعانة ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60 ]  ( قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ) [ الأعراف : 128 ] .

وأمر باتخاذ الأسباب الشرعية التي تؤدي إلى رضوانه وجنته كالصلاة والصيام والزكاة والحج .

وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، بل حياة المرسلين جميعاً والسائرين على نهجهم كلها شاهدة على أخذهم بالأسباب ، والجد والاجتهاد في الأعمال .

إن الأخذ بالأسباب هو من قدر الله تبارك وتعالى، وليس مناقضاً للقدر ولا منافياً له .

وقد فقَّه الرسول صلى الله عليه سلم بمعنى القدر ، وأنه لا يُوجبُ ترك العمل ، بل يوجب الجد والاجتهاد فيه لبلوغه ما يطمح الإنسان في نيله وتحقيقه ، فقد سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن فائدة العمل إذا كانت الأعمال مقدرة مقضية جفَّ بها القلم ، وفرغ منها رب العالمين ، فقال :  " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " وقرأ عليه السلام : ( فأما من أعطى واتقى - وصدق بالحسنى - فسنيسره لليسرى - وأما من بخل واستغنى - وكذب بالحسنى - فسنيسره للعسرى ) [ الليل :5-10 ] .

وقال بعض الصحابة الذين فقهوا عن الله ورسوله مراده لما سمع أحاديث القدر : " ما كنت بأشدّ اجتهاداً مني الآن " .

إن الذي يفقه عن الله مراده في القدر يعلم أن القدر السابق لا يمنع العمل ، ولا يوجب الاتكال ، بل يدفع إلى الجد والاجتهاد والحرص على تحصيل ما ينفعه في الدنيا والآخرة .

إلا أنه يجب التنبه إلى أن العبد وإن أخَذَ بالأسباب فإنه لا يجوز أن يعتمد عليها ، ويتوكل عليها ، بل يجب أن يتوكل على خالقها ومنشئها .

وقد قال علماؤنا : " الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل ، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع ، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع .

وبيان ذلك : أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه ، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا ، لأنه ليس مستقلاً ، ولا بدَّ له من شركاء وأضداد ، ومع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر ، وهذا مما يبين أن الله ربُّ كل شيء ومليكه ، وأن السماوات والأرض وما بينهما والأفلاك وما حوته لها خالق مدبر غيرها ، وذلك أن كل ما يصدر عن فلك أو كوكب أو ملك أو غير ذلك ، فإنك تجده ليس مستقلاً بإحداث شيء من الحوادث ، بل لا بدَّ له من مشارك ومعاون ، وهو مع ذلك له معارضات وممانعات " (7) .

" فكل سبب له شريك وله ضد ، فإن لم يعاونه شريكه ، ولم يُصرف عنه ضده لم يحصل سببه ، فالمطر وحده لا ينبت إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك ، ثم الزرع لا يتمُّ حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له ، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ومجموع ذلك لا يفيد إن تصرف المفسدات " (8) .

والعقلاء من البشر يعلمون أنهم لا يستقلون بفعل ما يريدون ، فكثير منهم تتهيأ له الأسباب ، ثم يحال بينه وبين ما يشتهي وما يريد ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس )  [يونس : 24 ] .

يذكر اللالكائي أن رجلاً طلب من جاريته أن تسقيه ، فجاءته بقدح من زجاج ، فصبت له ماء ، فوضعه على راحته ، ثم رفعه إلى فيه ، ثم قال : يزعم ناس أني لا أستطيع أن  أشرب  هذا ، ثم قال : هي حرة إن لم أشربه ( يعني جاريته التي صبت الماء )

فما كان من الجارية إلا ضربت القدح بِردنْ قميصه ، فوقع القدح وانكسر وأهراق الماء (9) .

وهكذا أثبتت الجارية لهذا المسكين أنه لا يقدر على كل ما يريد مالم يقدره الله ، فلقنته درساً ، وحررت نفسها من رق العبودية .

وكم من ثري أو قوي أو مُقدّم قوم ظن أن الدنيا خضعت له وأعطته زمامها ، وجد نفسه عاجزاً لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، قد يقعده عن فعل ما يشتهي عدو طاغ ، أو مرضٌ مُقْعِدٌ ، أو خيانة صديق . أو طمع محب ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) [ سبأ : 54 ]  .

الوجه الخامس  : احتجاجهم بالقدر :

وهؤلاء يحتجون بالقدر على ترك العمل ، فتجد الواحد عندما يدعى إلى الصلاة والصيام وقراءة القرآن يقول : لو شاء الله لي أن أعمل هذا عملته ، كما يحتجون به على ما يوقعونه بالناس من الظلم والفساد ، أو ما يقع من ظلم وفساد ، فيقولون في المظالم والمناكر والمفاسد التي تقع : هذه إرادة الله ومشيئته وليس لنا حيلة في ذلك ، وقد أدى هذا بهم إلى ترك الباطل يستشري في ديار الإسلام .

وترى هذا الصنف من البشر خاضعين للظلمة ، بل إن بعضاً منهم يصبح أعواناً للظلمة ، وتراهم يخاطبون الناس قائلين : ليس لكم إلا أن تصبروا على مشيئة الله وقدره فيكم . وترى بعض هؤلاء يفعلون الموبقات ويرتكبون المنكرات من الزنا والفسوق والعصيان ويحتجون لأفعالهم بالقدر .

وهؤلاء إن اعتقدوا أن كل شيء واقع فهو حجة أضحكوا العقلاء منهم ، وأوقعوا أنفسهم في مأزق لا يجدون منه خلاصاً ، وابن القيم يذكر وقائع من هؤلاء تزري بأصحاب العقول ، وتجعل أصحابها في مرتبة أقل من البهائم ، يذكر  عن واحد من هؤلاء أنه رأى غلامه يفجر بجاريته ، فلما أراد معاقبتهما ، وكان غلامه يعرف مذهبه في القدر ، فقال له : إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك .

فقال له ذلك الجاهل : لَعِلْمُكَ بالقضاء والقدر أحب إليَّ من كل شيء ، أنت حرّ لوجه الله .

ورأى آخر رجلاً يفجر بزوجته ، فأقبل يضربها وهي تقول : القضاء والقدر، فقال : يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا ؟

فقالت : أوَّه تركت السنة ، وأخذت بمذهب ابن عباس .

فتنبه ، ورمى بالسوط من يده ، واعتذر إليها ، وقال : لولا أننت لضللت .

ورأى آخر رجلاً يفجر بامرأته ، فقال : ما هذا ؟

فقالت : هذا قضاء الله وقدره .

فقال : الخيرة فيما قضى الله . فلقب بالخيرة فيما قضى الله (10) .

ولو كان الاحتجاج بالقدر صحيحاً لأمكن لكل واحد أن يقتل ويفسد ويأخذ الأموال ويظلم العباد ، فإذا سئل عن أفعاله احتج بالقدر ، وكل العقلاء يعلمون بأن هذه الحجة مرفوضة غير مرضية ، وإلا فإن الحياة تفسد .

وكثير من الذين يحتجون بالقدر لظلمهم وفسقهم وضلالهم يثورون إذا ما وقع عليهم الظلم ، ولا يرضون من غيرهم أن يحتج على ظلمه لهم بالقدر .

إن المنهج الذي فقهه علماؤنا عن ربنا ونبينا أنه يجب علينا أن نؤمن بالقدر ، ولكن لا يجوز لنا أن نحتج به على ترك العمل ، كما لا يجوز لنا أن نحتج به على مخالفتنا للشرع ، وإنما يحتج بالقدر على المصائب دون المعايب .

يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : " العبد له في المقدور حالان : حال قبل القدر وحال بعد القدره .

فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه ، فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به ، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك ، وإن كان ذنباً استغفر إليه من ذلك .

وله في المأمور حالان :

حال قبل الفعل ، وهو العزم على الامتثال والاستعانة بالله على ذلك ، وحال بعد الفعل وهو الاستغفار من التقصير وشكر الله على ما أنعم به من الخير . قال تعالى : ( فاصبر إنّ وعد الله حق واستغفر لذنبك ) [ غافر :55 ] أمره أن يصبر على المصائب المقدرة ، ويستغفر من الذنب .

وقال تعالى : ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) [ آل عمران : 186 ] . وقال يوسف  : ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين )  [ يوسف : 90 ] .

فذكر الصبر على المصائب والتقوى بترك المعائب ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " احرص على ما ينفعك واستعن  بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان " (11) (12) .

إن العبد المؤمن الحصيف لا يترك العمل بدعوى أنَّ قدر الله ماض فيه ، بل الواجب عليه أن يأخذ الأمر بقوة ، يعلم ما يطلبه الله ، ويفكر فيما يفيده وينفعه ، ثم يبذل قصارى جهده في القيام بأمر الله ، وبالأخذ بالأسباب للأمور التي يظن أن فيها نفعه وصلاحه ، فإذا لم يوفق فلا يقضي وقته بالتحسر والتأسف ، وإنما يقول في هذا الموضع قدر الله وما شاء فعل .

إن الإيمان بالقدر والاحتجاج به يأتي لمعالجة المشكل النفسي الذي يذهب الطاقة الإنسانية ويبددها في حال الفشل والإخفاق ، ولا يكون مانعاً من العمل والإبداع في مقبل الزمان .

استدلالهم بحديث احتجاج آدم بالقدر :

وقد يستدل من قلَّ عمله بحديث احتجاج آدم وموسى على الاحتجاج بالقدر في المعايب ، وهو حديث صحيح روته كتب الصحاح والسنن .

روى أبو هريرة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احتج آدم وموسى عليهما السلام عند ربهما ، فحج آدم موسى .

قال موسى : أنت آدم الذي خلقك الله بيده ،  ونفخ فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وأسكنك في جنته ، ثم أُهبط الناس بخطياتك إلى الأرض ؟

فقال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء ، وقربك نجياً ، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق ؟

قال موسى : بأربعين عاماً .

قال آدم : فهل وجدت فيها : وعصى آدم ربه فغوى ؟

قال : نعم .

قال : أفتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟

قال رسول الله فحج آدم موسى " (13) .

وليس في هذا الحديث حجة للذين يحتجون بالقدر على القبائح والمعايب ، فآدم عليه السلام لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب ، وموسى عليه السلام لم يلم أباه آدم على ذنب تاب منه ، وتاب الله عليه منه واجتباه وهداه ، وإنما وقع اللوم من موسى على المصيبة التي  أخرجت آدم وأولاده من الجنة .

فاحتج آدم بالقدر على المصيبة ، لا على الخطيئة ، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب (14) .

فعلى العبد أن يستسلم للقدر إذا أصابته مصيبة ( الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) [ البقرة :156 ] ، أما المذنبون فليس لهم الاحتجاج بالقدر ، بل الواجب عليهم أن يتوبوا ويستغفروا ( فاصبر إنَّ وعد الله حق واستغفر لذنبك ) [ غافر :55]  فأرشد إلى الصبر في المصائب والاستغفار من الذنوب والمعايب .

والله ذم إبليس لا لاعترافه بالمقدر في قوله : ( رب بما أغويتني ) [ الحجر : 39 ] ، وإنما على احتجاجه بالقدر .

وأجاب ابن القيم عن الأشكال الذي وقع في حديث احتجاج آدم بالقدر بجواب آخر فقال : " الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ، ويضر في موضع ، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه  ، وترك معاودته ، كما فعل آدم ، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع ، لأنه لا يدفع بالقدر أمراً ولا نهياً ، ولا يبطل به شريعة ، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءَة من الحول والقوة .

يوضحه أن آدم قال لموسى : أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً عليَّ قبل أن أخلق ؟ فإذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه توبة ، وزال أمره  حتى كأن  لم يكن ، فأنَّبهُ عليه ولامه ، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول : هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق ، فإنه لم يدفع بالقدر حقاً ، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محظور في الاحتجاج به .

وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ، ففي حال المستقبل بأن يرتكب فعلاً محرماً أو يترك واجباً ، فيلومه عليه لائم ، فيحتج بالقدر على إقامته عليه ، وإصراره ، فيبطل به حقاً ، ويرتكب به باطلاً ، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله ." (15) .

هل الرضا بالمقدور واجب ؟

 إذا كانت المعاصي بقضاء الله فكيف لنا أن نكره قضاءَه ونبغضه ، والجواب : " أنه لا يوجد في كتاب الله ، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم آية ولا حديث يأمر العباد بأن يرضوا بكل مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها ، ولكن الواجب على الناس أن يرضوا بما أمر الله به ، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به . قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما  قضيت ويسلموا تسليماً )  [النساء :65 ]  .

وينبغي للعبد أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوباً ، مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له ، فإن الصبر على المصائب واجب ، وأما الرضا بها فهو مشروع ، ولكن هل هو واجب أو مستحب ؟ على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم: أصحهما أنه مستحب ليس بواجب " (16) .

 الوجه السادس  : الزعم بأن تكليف العباد غير ما فعلوا هو من باب التكليف بما لا يطاق :

وزعم من ذهب هذا المذهب أن فاعلي المعاصي والذنوب لا يستطيعون غير ما فعلوا ، وتكليفهم بخلاف ما فعلوا تكليف بما لا يطاق ، وتكليف مالا يطاق جاءت الشريعة بنفيه في قوله : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) [ البقرة : 286] . ( لا يكلف الله نفساً إلا ما أتاها ) [ الطلاق : 7 ] ، واحتجوا بمثل قوله تعالى : ( الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً ) [ الكهف : 101 ] ، وقوله : ( يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) [ هود : 20 ] ، وقوله : ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) [ يس : 9 ] .

قالوا : فهذه الآيات مصرحة بأنهم لم يكونوا يستطيعون الفعل ، وهؤلاء ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وزعموا  أنه متناقض  ، وحاشاه أن يكون كذلك .

والجواب عما شغبوا به " أن الاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست هي الاستطاعة المشروطة في الأمر والنهي ، فإن تلك إذا انتفت انتفى الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والحمد والذم ، والثواب والعقاب . ومعلوم أن العباد في هذه الحال مأمورون منهيون موعودون متوعدون ، فعلم أن المنفية  ليست هي المشروطة في الأمر النهي " (17) .

فالاستطاعة المنفية في الآيات التي احتجوا بها ليست بسبب استحالة الفعل أو عجزهم عنه ، وإنما هي بسبب تركهم له والاشتغال بضده ، كالكافر كلفه الله الإيمان في حال كفره ، لأنه غير عاجز عنه ولا مستحيل فعله ، فهو كالذي لا يقدر على العلم لاشتغاله بالمعيشة ." (18) .

أما الاستطاعة التي هي مناط التكليف ، فهي المذكورة في مثل قوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ) [ آل عمران : 97 ] .، وقوله  : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ) [ المجادلة : 4 ] ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : " صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع  فعلى جنب " .

ومعلوم أن الله لا يكلف مالا يطاق لوجود ضده من العجز ، فلا يكلف المقعد بأن يصلي قائماً ، ولا يكلف المريض بالصيام ، ولا يكلف الأعمى بالجهاد والقتال ، لخروج ذلك عن المقدور .

وقد اتفق أهل العلم أن العبد إذا عجز عن بعض الواجبات سقط عنه ما عجز عنه ، فمن قطعت منه رجله سقط عنه غسلها ، ومن لم يستطع اغتسال الجنابة أو القيام أو الركوع ونحو ذلك سقط عنه ما عجز عنه . وبذلك يظهر لك أن عدم الاستطاعة المذكورة في الآيات التي احتج بها هذا الفريق غير مشروطة في شيء من الأمر والنهي والتكليف باتفاق المسلمين ، والاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي في الآيات التي سقناها هي التي لم يكلف الله أحداً شيئاً بدونها (19) .

الوجه السابع : يلزم من قوله التسوية بين المُخْتَلِفَيْن :

لقد أدى هذا المذهب بأصحابه والقائلين به إلى التسوية بين الأخيار والفجار ، والأبرار والأشرار ، وأهل الجنة وأهل النار ، وقد فرق بينهم العليم الخبير ( أم نجعل الذين أمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) [ص : 27 –28 ] ، وقال : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين أمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ) [ الجاثية : 21 ] ، وقال : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين - ما لكم كيف تحكمون ) [ القلم : 35 : 36 ] .

--------------------------------

(1) شرح اعتقاد أصول أهل السنة : ص700 مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/105 .

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : 8 / 132 ،294 ،461 .

(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/463 .

(4) راجع : مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/464 .

(5) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8 / 103 .

(6) شفاء العليل : ص 16 .

(7) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/170 .

(8) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8 /167 .

(9) شرح أصول أهل السنة : 727 .

(10) نقل عن ابن القيم هذه الوقائع وغيرها صاحب معارج القبول : 2/255 .

(11) الحديث رواه  مسلم في صحيحه عن أبي هريرة : 4/2052 . ورقم الحديث : 2664 .

(12) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8 /76 .

(13) رواه مسلم : 4/2043 ورقم الحديث 2652 . وللحديث عند مسلم عدة روايات ، وقد رواه البخاري أيضاً في مواضع من كتابه . ورواه أبو داود والترمذي في سننهما . انظر روايات الحديث في جامع الأصول : (10 /124) .

(14) شرح الطحاوية : ص154 . وأجاب بهذا الجواب شيخ الإسلام أيضاً : انظر شفاء العليل : ص 35 .

(15) شفاء العليل : ص35 .

(16) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/190 .

(17) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/291 .

(18) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/ 296 .

(19) راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/ 130 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M