البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> القضاء والقدر >>

 

مذهب أهل السنة والجماعة في القدر

بينا لك مذاهب الذين ضلوا في القدر ، وأحب هنا أن أذكر مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ، وقد دون مذهبهم كثير من أهل العلم ، وأنا أسوق هنا ما دوَّنه  ثلاثة من أعمالهم .

المطلب الأول

شيخ الإسلام ابن تيمية يلخص مذهبهم

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأجزل له المثوبة : " مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة ، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان : وهو أنَّ الله خالق كلّ شيء ومليكه ، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسنا وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد .

وأنه سبحانه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته ، لا يمتنع عليه شيء شاءَه ، بل هو القادر على كل شيء ولا يشاء شيئاً إلا وهو قادر عليه .

وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها ، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم : قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك ، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة .

فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء ، وقدرته على كل شيء ، ومشيئته لكل ما كان ، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون ، وتقديره لها ، وكتابته إياها قبل أن تكون  " (1) .

" وسلف الأمة وأئمتها متفقون على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به ، منهيون عما نهاهم الله عنه ، ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة .

ومتفقون على أنه لا حجّة لأحد على الله في واجب تركه ، ولا محرّم فعله ، بل لله الحجة البالغة على عباده ." (2) .

" ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء ، وأنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة ، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم : إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله " (3) .

المطلب الثاني

عقيدة الإمام أبي بكر محمد الحسين الآجُرِّي في القدر

قال رحمه الله : " مذهبنا في القدر أن نقول : إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق النار ، ولكل واحدة منهما أهل  ، وأقسم بعزته أنه يملأ جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين.

ثم خلق آدم عليه السلام ،واستخرج من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة . ثم جعلهم فريقين : فريق في الجنة وفريق في السعير .

وخلق إبليس ، وأمره بالسجود لآدم عليه السلام ، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور ، الذي قد جرى عليه من الشقوة التي سبقت في العلم من الله عز وجل ، لا معارض لله الكريم في حكمه ، يفعل في خلقه ما يريد ، عدلاً من ربنا قضاؤه وقدره .

وخلق آدم وحواء عليهما السلام ، للأرض خلقهما ، أسكنهما الجنة ، وأمرهما أن يأكلا منها رغداً ما شاءا ، ونهاهما عن شجرة واحدة أن لا يقرباها ، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة . فهو تبارك وتعالى في الظاهر ينهاهما ، وفي الباطن من علمه : قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] . لم يكن لهما بُدُّ من أكلهما ، سبباً للمعصية ، وسبباً لخروجهما من الجنة ، إذ كانا للأرض خلقاً ، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية ، كل ذلك سابق في علمه ، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه ، إلا وقد جرى مقدوره به ، وأحاط به علماً قبل كونه أنه سيكون .

خلق الخلق ، كما شاء لما شاء ، فجعلهم  شقياً وسعيداً قبل أن يخرجهم إلى الدنيا ، وهم في بطون أمهاتهم ، وكتب آجالهم ، وكتب أرزاقهم ، وكتب أعمالهم ، ثم أخرجهم إلى الدنيا ، وكل إنسان يسعى فيما كُتِبَ له وعليه .

ثم بعث رسله ، وأنزل عليهم وحيه ، وأمرهم بالبلاغ لخلقه ، فبلغوا رسالات ربهم ، ونصحوا قومهم ، فمن جرى في مقدور الله عز وجل أن يؤمن آمن ، ومن جرى في مقدوره أن يكفر كفر ، قال الله عز وجل : ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير ) [ التغابن : 2 ]  أحب من أراد من عباده ، فشرح صدره للإيمان والإسلام ، ومقت آخرين ، فختم  على قلوبهم ، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن يهتدوا أبداً ، يضل من يشاء ويهدي من يشاء ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] .

الخلق كلهم له ، يفعل في خلقه ما يريد ، غير ظالم لهم ، جل ذكره عن أن ينسب ربنا إلى الظلم ، إنما يظلم من يأخذ ما ليس له بملك ، وأما ربنا عز وجل فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ، وما تحت الثرَّى ، وله الدنيا والآخرة ، جل ذكره ، وتقدست أسماؤه ، أحب الطاعة من عباده ، وأمر بها ، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم ، ونهى عن المعاصي ، وأراد كونها من غير محبته منه لها ، ولا للأمر بها ، تعالى الله عز وجل أن يأمر بالفحشاء ، أو يحبها ، وجل ربنا وعز أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري ، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه ، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم ، وبعد أن يخلقهم ، قبل أن يعملوا قضاء وقدراً .

قد جرى القلم بأمره عز وجل في اللوح المحفوظ بما يكون ، من برّ أو فجور ، يثني على من عمل بطاعته من عبيده ، ويضيف العمل إلى العباد ، ويعدهم عليه الجزاء العظيم ، لولا توفيقه لهم ما عملوا ما استوجبوا  به منه الجزاء  ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) [ الحديد : 21 ] وكذا ذم قوماً عملوا بمعصيته ، وتوعدهم على العمل بها ، وأضاف العمل إليهم بما عملوا ، وذلك بمقدور جرى عليهم ، يضل من يشاء ، ويهدي من يشاء .

قال محمد بن الحسين رحمة الله تعالى : هذا مذهبنا في القدر " (4) .

المطلب الثالث

عقيدة الطحاوي في القدر

يقول الطحاوي رحمه الله في القدر : " خلق الخلق بعلمه ، وقدر لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً ، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم ، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم ، وأمرهم بطاعته ، ونهاهم عن معصيته . 

وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته ، ومشيئته تنفذ ، لا مشيئة للعباد ، إلا ما شاء الله لهم ، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .

يهدي من يشاء ، ويعصم ويعافي فضلاً ، ويضل من يشاء ، ويخذل ويبتلي عدلاً .

وكلهم متقبلون في مشيئته بين فضله وعدله .

وهو متعال عن الأضداد والأنداد ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا غالب لأمره .

آمنا بذلك كله ، وأيقنا أن كلاً من عنده " (5) .

" وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة ، وعدد من يدخل النار ، جملة واحدة ، لا يزاد في ذلك العدد ، ولا ينقص منه .

 وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه ، وكل ميسر لما خلق له ، والأعمال بالخواتيم ، والسعيد من سعد بقضاء الله ، والشقي من شقى بقضاء الله .

وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه ، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل ، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان ، وسلم الحرمان ، ودرجة الطغيان ، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة ، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ، ونهاهم عن مرامه ، كما قال الله تعالى : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] .

فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب ، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين .

فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى ، وهي درجة الراسخين في العلم ، لأن العلم علمان : علم في الخلق موجود ، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر ، وادعاء العلم المفقود كفر ، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود ، وترك العلم المفقود .

ونؤمن باللوح والقلم ، وبجميع ما فيه قد قدر ، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى في أنه كائن ، ليجعلوه غير كائن ، لم يقدروا عليه ، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه ، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه .

وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه ، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً ، ليس فيه ناقض ، ولا معقب ، ولا مزيل ولا مغير ، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه ، وذلك من عقد الإيمان ، وأصول المعرفة ، والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته ، كما قال تعالى في كتابه : ( وخلق كل شيء فقدره تقديراً ) [ الفرقان : 2] . وقال تعالى : ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) [ الأحزاب :38 ] ، فويل لمن صار في القدر لله خصيماً ، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً ، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً ، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً " (6) .

--------------------------------

(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/ 449 .

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/452 .

(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/459 .

(4) الشريعة للآجري : 150 – 152 .

(5) العقيدة الطحاوية شرح وتعليق الشيخ ناصر الدين الألباني : ص21 .

(6) العقيدة الطحاوية : 31 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M