البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> الرسالات السماوية >>

 

الرّسَالة العَامّة والرّسَالة الخاصّة

الرسالات السماوية السابقة أنزلت لأقوام بأعيانهم ، والرسالة الخاتمة التي أنزلت على خاتم الأنبياء والرسل رسالة عامة للبشرية كلها بل عامة للإنس والجن ، وهذا يقتضي أن تمتاز هذه الرسالة عن غيرها من الرسالات بما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان ، وقد جعلها الله كذلك ، وأنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) [ المائدة : 3 ] .

وقد بيّن سيد قطب – رحمه الله – هذا المعنى وجلاه في تفسيره لهذه الآية ، قال : " إن المؤمن يقف أمام إكمال هذا الدين ، يستعرض موكب الإيمان ، وموكب الرسالات ، وموكب الرسل ، منذ فجر البشرية ، ومنذ أوّل رسول – آدم عليه السلام – إلى هذه الرسالة الأخيرة ، رسالة النبي الأمّي إلى البشر أجمعين .

فماذا يرى ؟ يرى هذا الموكب المتطاول المتواصل موكب الهدى والنور ، ويرى معالم الطريق على طول الطريق ، ولكنه يجد كل رسول – قبل خاتم النبيين – إنما أرسل إلى قومه ، ويرى كلّ رسالة ، قبل الرسالة الأخيرة – إنما جاءَت لمرحلة من الزمان .. ، رسالة خاصة ، لمجموعة خاصة ، في بيئة خاصة .. ، ومن ثمّ كانت تلك الرسالات محكومة بظروفها هذه ، متكيفة بهذه الظروف ، كلّها تدعو إلى إله واحد – فهذا هو التوحيد – وكلها تدعو إلى عبودية واحدة لهذا الإله الواحد – فهذا هو الإسلام – ولكن لكلٍّ منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف .

حتى إذا أراد الله أن يختم رسالته إلى البشر أرسل إلى الناس كافة رسولاً خاتم النبيين برسالة (( للإنسان )) لا لمجموعة من الأناس في بيئة خاصة ، في زمان خاص ، في ظروف خاصة .. ، رسالة تخاطب (( الإنسان )) من وراء الظروف والبيئات والأزمنة ، لأنها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ، ولا تتحور ، ولا ينالها التغيير ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) [ الروم : 30 ] ، وفصّل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة (( الإنسان )) من جميع أطرافها ، وفي كل جوانب نشاطها ، وتضع لها المبادئ الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان ، وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان .. ، وكذلك كانت الشريعة بمبادئها الكلية ، وبأحكامها التفصيلية ، محتوية كل ما تحتاج إليه حياة (( الإنسان )) منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان ، من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات ، لكي تستمر ، وتنمو ، وتتطور ، وتتجدد ، حول هذا المحور وداخل هذا الإطار " (1) .

وهذا المعنى – وهو كمال الرسالة وشمولها – أشار إليه القرآن في غير موضع كقوله تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) [ النحل : 89 ] وقال جلّ وعلا : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) [ الأنعام : 38 ] .

لقد جمعت الشريعة الخاتمة محاسن الرسالات السابقة ، وفاقتها كمالاً وجلالاً ، يقول الحسن البصري رضي الله عنه : " أنزل الله مائة وأربعة كتب ، أودع علومها أربعة : التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ( القرآن ) ثمّ أودع علوم الثلاثة الفرقان " (2) .

--------------------------------

(1) في ظلال القرآن : 6/482 .

(2) الإكليل للسيوطي : ( أضواء البيان : 3/336 ) .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M