البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> الرسالات السماوية >>

 

مَواضِع الاتفاق والاختلاف في الرّسَالات السّماويّة

المطلب الأول

مواضع الاتفاق

1- الدين الواحد :

الرسالات التي جاء بها الأنبياء جميعاً منزلة من عند الله العليم الحكيم الخبير ، ولذلك فإنها تمثل صراطاً واحداً يسلكه السابق واللاحق ، ومن خلال استعراضنا لدعوة الرسل التي أشار إليها القرآن نجد أنّ الدِّين الذي دعت إليه الرسل جميعاً واحد هو الإسلام ، ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) [ آل عمران : 19 ] ، والإسلام في لغة القرآن ليس اسماً لدين خاص ، وإنما هو اسم للدّين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء ، فنوح يقول لقومه : ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [ يونس : 72 ] ، والإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) [البقرة : 131] ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلاً : ( فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [البقرة : 132] وأبناء يعقوب يجيبون أباهم : ( نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) [ البقرة : 133 ] وموسى يقول لقومه : ( يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ) [ يونس : 84 ] والحواريون يقولون لعيسى : ( آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران : 52 ] وحين سمع فريق من أهل الكتاب القرآن ( قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ) [ القصص : 53 ] .

فالإسلام شعار عام كان يدور على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية .

كيف يتحقق الإسلام :

الإسلام هو الطاعة والانقياد والاستسلام لله تعالى ، بفعل ما يأمر به ، وترك ما ينهى عنه ، ولذلك فإنّ الإسلام في عهد نوح يكون باتباع ما جاء به نوح ، والإسلام في عهد موسى يكون باتباع شريعة موسى ، والإسلام في عهد عيسى يكون باتباع الإنجيل ، والإسلام في عهد محمد صلى الله عليه وسلم يكون بالتزام ما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .

لبُّ دعوات الرسل :

ولبُّ دعوات الرسل وجوهر الرسالات السماوية هو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونبذ ما يُعبد من دونه ، وقد عرض القرآن هذه القضية وأكدها في مواضع متعددة ، مرة يذكر دعوة الرسل فنوح يقول لقومه : ( يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ الأعراف : 59 ] ، وإبراهيم قال لقومه : ( وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ العنكبوت : 16 ] وهود قال لقومه : ( اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ الأعراف : 65 ] وصالح قال لقومه : ( اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ الأعراف : 73 ] .

ومرة ينص على أنّه أرسل الرسل جميعاً بهذه المهمة الواحدة :  ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) [ الأنبياء : 25 ] . ومرة يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم في سلك واحد ، ويجعل منهم أمة واحدة لها إله واحد ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) [ الأنبياء : 92 ] ، ومرة يجعل الاستجابة لله وتحقيق العبودية له هي الدين والملة ، ويجعل مَن رفضَها يحكم على نفسه بالسفه والضلال،  ( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) [ البقرة : 130 ] ، وملة إبراهيم عليه السلام حددها بقوله :  ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ الأنعام : 79 ] .

ومرة يبين أنها وصية الرسل والأنبياء لمن بعدهم ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا .. ) [ البقرة : 133 ] (1) .

ومرة ينص على وحدة الدين الذي شرعه للرسل العظام : ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) [ الشورى : 13 ] .

الرسالات السابقة تبين الأسباب الموجبة لعبادة الله :

ولم تكتف الرسالات السابقة بالدعوة إلى عبادة الله وحده ، بل بينت الأسباب التي تجعل هذه الدعوى هي الحق الذي لا محيص عنه ، وذلك بذكر خصائص الألوهية ، وبالحديث عن نعم الله تعالى التي أنعم بها على عباده ، وبتوجيه الأنظار والعقول للنظر في ملكوت السماوات والأرض ، فنوح يقول لقومه : ( مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا - وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا - أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا - وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا - وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا - ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا - وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا- لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ) [نوح :13-20]

وهذا المعنى يتردد في صحف إبراهيم وموسى ، وقد ورد فيهما كما أخبرنا القرآن ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى - وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى - وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا - وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى - مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى - وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى - وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى - وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى - وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى - وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى - وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ) [ النجم : 42-52 ] .

2- المبادئ الخالدة : مسائل العقيدة :

وليست الدعوة إلى عبادة الله وحده هي القضية الوحيدة التي اتفقت فيها الرسالات، فأماكن الاتفاق كثيرة ، فمن ذلك أمور الاعتقاد التي تشكل تصوراً واحداً وأساساً واحداً لدى جميع الرسل وأتباعهم ، فأول الرسل نوح ذكَّر قومه بالبعث والنشور فمما قاله لقومه : ( وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا - ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) [نوح : 17-18 ] .

وأعلمهم بالملائكة والجنّ ، ولذلك قال الكفار من قومه : ( مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ) [ المؤمنون : 24-25 ] .

والإيمان باليوم الآخر واضح في دعوة إبراهيم  ( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) [ البقرة : 126 ] ، وفي دعوة موسى أشدُّ وضوحاً ، ولذلك نرى السحرة عندما يخرون سجدّاً يقولون لفرعون : ( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى - وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى - جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى ) [ طه : 73-76 ] .

وجاء في صحف إبراهيم وموسى : ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [ الأعلى : 16-17 ] وكل الرسل والأنبياء أنذروا أممهم المسيح الدجال ، ففي الحديث الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال ، فقال : " إني أنذركموه ، وما من نبي إلا قد أنذره قومه ، لقد أنذره نوح قومه ، ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه ، تعلمون أنه أعور ، وأن الله ليس بأعور " (2) .

3- القواعد العامة :

والكتب السماوية تقرر القواعد العامة التي لا بدّ أن تعيها البشرية في مختلف العصور كقاعدة الثواب والعقاب ، وهي أنّ الإنسان يحاسب بعمله ، فيعاقب بذنوبه وأوزاره ، ولا يؤاخذ بجريرة غيره ، ويثاب بسعيه ، وليس له سعى غيره ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى - وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى - أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى - وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى - وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى - ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى ) [ النجم : 36-41 ] .

ومن ذلك أن الفلاح الحقيقي يتحقق بتزكية النفس بمنهج الله والعبودية له ، وإيثار الآجل على العاجل : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى - بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) [ الأعلى : 14-19 ] .

ومن ذلك أنّ الذي يستحق وراثة الأرض هم الصالحون ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) [ الأنبياء : 105 ] .

وقد سأل أبو ذر رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن محتويات صحف إبراهيم وصحف موسى ففي الحديث الذي يرويه ابن حبان والحاكم عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم ؟

قال : كانت أمثالاً كلّها : أيها المسلط ( أي : الحاكم النافذ السلطان ) المبتلى (المختبر) المغرور ، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكني بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم ، فإني لا أردها وإن كانت من كافر .

وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر فيها في صنع الله عز وجل ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب .

وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً ( مرتحلاً ) إلا لثلاث : تزود لمعاد ، أو لمعاش ، أو لذة في غير محرم .

وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه ، مقبلاً على شانه ، حافظاً للسانه ، ومن حسب كلامه من عمله ، قل كلامه إلاّ فيما يعنيه .

قلت : يا رسول الله : فما كانت صحف موسى ؟

قال : كانت عبراً ( عظات ) كلّها :

عجبت لمن أيقن بالموت ثمّ هو يفرح ، عجبت لمن أيقن بالنار ، ثمّ هو يضحك ، عجبت لمن أيقن بالقدر ، ثمّ هو ينصب ، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ، ثمّ اطمأن إليها ، عجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل " .

والقرآن يخبرنا أنّ الرسل جميعاً حملوا ميزان العدل والقسط ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطٌِ ) [ الحديد : 25 ] وأنهم أمروا بأن يكسبوا رزقهم بالحلال ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) [المؤمنون : 51] وكثير من العبادات التي نقوم بها كانت معروفة عند الرسل السابقين وأتباعهم ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ ) [الأنبياء : 73] . وإسماعيل عليه السلام ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ .. ) [ مريم : 55 ] وقال الله لموسى عليه السلام : ( فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) [ طه : 14 ] ، وقـال عيسى : ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) [ مريم : 31 ] . والصوم مفروض على من قبلنا كما هو مفروض علينا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ البقرة : 183 ] .

والحج فرضه إبراهيم عليه السلام ، فقد أمره الله بعد بناء الكعبة فنادى بالحج ، ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا ... ) [ الحج : 29 ] (3) ،  وقد كان لكل أمة مناسكها وعبادتها ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَام ) [الحج : 3] ( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ) [ الحج : 67 ] .

ومما اتفقت فيه الرسالات أنها بينت المنكر والباطل ودعت إلى محاربته وإزالته ، سواءً أكان عبادة أوثان ، أو  استعلاء في الأرض ، أو انحرافاً عن الفطرة كفعل قوم لوط ، أو عدواناً على البشر وأحوالهم بقطع الطريق والتطفيف بالميزان .

المطلب الثاني

اختلاف الشرائع

إذا كان الدين الذي جاءت به الرسل واحداً وهو الإسلام فإن شرائع الأنبياء مختلفة ، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى في بعض الأمور ، وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم تخالف شريعة موسى وعيسى في أمور ، قال تعالى : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) [ المائدة : 48 ] والشرعة هي الشريعة وهي السنة ، والمنهاج : الطريق والسبيل .

وليس معنى ذلك أن الشرائع تختلف اختلافاً كلياً ، فالناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية ، وقد سبق ذكر النصوص التي تتحدث عن تشريع الله للأمم السابقة الصلاة والزكاة والحج ، وأخذ الطعام من حلّه وغير ذلك ، والاختلاف بينها إنّما يكون في بعض التفاصيل .

فأعداد الصلوات وشروطها وأركانها ومقادير الزكاة ومواضع النسك ونحو ذلك قد تختلف من شريعة إلى شريعة ، وقد يحلّ الله أمراً في شريعة لحكمة ، ويحرمه في شريعة أخرى لحكمة .

ونضرب لهذا ثلاثة أمثلة :

الأول : الصوم : فقد كان الصائم يفطر بغروب الشمس ، ويباح له الطعام والشراب والنكاح إلى طلوع الفجر ما لم ينم ، فإن نام قبل الفجر حرم عليه ذلك كله إلى غروب الشمس من اليوم الثاني ، فخفَّف الله عن هذه الأمة وأحله من الغروب إلى الفجر سواءً أنام أم لم ينم . قال تعالى : ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .. ) [ البقرة : 187 ] .

الثاني : ستر العورة حال الاغتسال لم يكن واجباً عند بني إسرائيل ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ، ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى يغتسل وحده " (4) .

الثالث : " الأمور المحرمة ، فمما أحلّه الله لآدم تزويج بناته من بنيه ، ثمّ حرّم الله هذا بعد ذلك ، وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم ، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة ، وقد حرّم الله مثل هذا في التوراة على بني إسرائيل ، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغاً ، وقد فعله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين ، ثمّ حرم عليهم في التوراة ، وحرّم يعقوب على نفسه لحوم الإبل وألبان الإبل " (5) .

والسبب في ذلك كما ثبت في الحديث " إن إسرائيل ( يعقوب ) مرض مرضاً شديداً، وطال سقمه ، فنذر لله لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل ، وأحب الشراب إليه ألبانها " (6) ، وهذا الذي حرمه إسرائيل حرّمه الله على بني إسرائيل وحُرّم في التوراة ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ) [ آل عمران : 93 ] .

ومما حرّمه الله على اليهود ما قصه علينا في سورة الأنعام ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ ) [ الأنعام : 146 ] .

فقد حرّم الله عليهم كلّ ذي ظفر وهو البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والنعام والوز والبط ، وحرّم عليهم شحوم البقر والغنم إلاّ الشحم الذي على ظهور البقر والغنم ، أو ما حملت الحوايا وهو ما تحوَّى في البطن وهي المباعر والمرابض ، أو ما اختلط بعظم .

وهذا التحريم لم يكن سببه خبث المحرّم إنما سببه التزام من أبيهم يعقوب في بعض المحرمات ، فألزم أبناءه من بعـده بمثل ذلك ، وبعض المحرمات سببه ظلـم بني إسرائيل ( ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ) [ الأنعام : 146 ] وقال : ( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا ) [ النساء : 160 ] .

ثمّ جاء عيسى فأحلّ لبني إسرائيل بعض ما حرّم عليهم  ( وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) [ آل عمران : 50 ] ، وجاءت الشريعة الخاتمة لتكون القاعدة إحلال الطيبات وتحريم الخبائث .

الأنبياء إخوة لعلاّت :

وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً لاتفاق الرسل في الدين الواحد واختلافهم في الشرائع ، فقال : " الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتّى ، ودينهم واحد " (7) .

قال ابن حجر : " الأنبياء أولاد علاّت ، وفي رواية عبد الرحمن المذكورة " أي في صحيح البخاري " : " والأنبياء إخوة لعلات " والعلات بفتح المهملة : الضرائر ، وأولاد العلات الإخوة من الأب ، وأمهاتهم شتى ، ومعنى الحديث : أنّ أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع " (8) .

--------------------------------

(1) ثبت في السنة أن نوحاً أوصى ولده بمثل ذلك ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن نبي الله نوحاً – صلى الله عليه وسلم – لما حضرته الوفاة ، قال لابنه : إني قاص عليك الوصية : آمرك باثنتين ، وأنهاك عن اثنتين ، آمرك بلا إله إلا الله ، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ، ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهنّ لا إله إلا الله ، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة (مغلقة) ، قصمتهن (كسرتهن) لا إله إلا الله ، وسبحان الله وبحمده ، فإنها صلاة كل شيء ، وبها يرزق الخلق ، وأنهاك عن الشرك والكبر " رواه البخاري في الأدب المفرد : ص548 ، وأحمد 2/169 ، 170، 225 ، والبيهقي في الأسماء : (79 هندية) ( انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة : حديث رقم : 134 ) .

(2) صحيح البخاري: 3057 .

(3) كان من هدى الأنبياء بعد ذلك الحج إلى البيت العتيق فقد حج البيت موسى ويونس ، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ، فمررنا بواد ، فقال: " أيُّ واد هذا ؟ " فقالوا : وادي الأزرق . قال : " كأني أنظر إلى موسى " فذكر من لونه وشعره شيئاً ، " واضعاً أصبعيه في أذنيه ، له جؤار إلى الله بالتلبية ، ماراً بهذا الوادي " . قال : ثم سرنا حتى أتينا على ثنية ( الثنية : الطريق بين الجبلين ) . فقال : " أي ثنية هذه؟" فقالوا : هرش أو لفت – فقال : " كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف ، خطام ناقته خلبة ( الخطاب الزمام ، والخلبة : ليفة نخل ) مـاراً بهذا الوادي ملبياً " . ( انظر مشكاة المصابيح 3/116 ) .

(4) صحيح البخاري : 278 . وصحيح مسلم : 339 .

(5) تفسير ابن كثير : 2/73 .

(6) رواه أحمد في مسنده : ( تفسير ابن كثير : 2/71 ) .

(7) رواه البخاري : 3443 ، ومسلم : 2365 . واللفظ للبخاري .

(8) فتح الباري : 6/489 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M