البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> الرسل والأنبياء >>

 

حَاجة البشريّة إلى الرّسُل والرّسَالات

تمهيد :

إذا كان الناس في القديم يجادلون الرسل ، ويرفضون علومهم ، ويعرضون عنهم فإن البشر اليوم في القرن العشرين – حيث بلغت البشرية ذروة التقدم المادي ، فغاصت في أعماق البحار ، وانطلقت بعيداً في أجواز الفضاء ، وفجرت الذرة ، وكشفت كثيراً من القوى الكونية الكامنة في هذا الوجود – أشدُّ جدالاً للرسل ، وأكثر رفضاً لعلومهم ، وأعظم إعراضاً عنهم ، وحال البشر اليوم من الرسل وتعاليمهم كحال الحمر المستنفرة حين ترى الأسد فتفرّ لا تلوي على شيء ، قال تعالى : ( فما لهم عن التَّذكرة معرضين – كأنَّهم حمرٌ مُّستنفرةٌ – فرَّت من قسورة ) [ المدثر : 49-51 ] .

والبشر – اليوم – يأبون أكثر من قبل التسليم للرسل وتعاليمهم اغتراراً بعلومهم ، واستكباراً عن متابعة رجال عاشوا في عصور متقدمة على عصورهم ( ذلك بأنَّه كانت تَّأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولَّوا واستغنى الله والله غنيٌّ حميدٌ ) [ التغابن : 6 ] .

واليوم ينفخ شياطين الإنس في عقول البشر يدعونهم إلى التمرد على الله وعلى شريعة الله ، ورفض تعاليم الرسل ، بحجة أنَّ في شريعة الله حجراً على عقولهم ، وتوقيفاً لركب الحياة ، وتجميداً للحضارة والرقي ّ ، وقد أقامت الدول اليوم نظمها وقوانينها وتشريعاتها على رفض تعاليم الرسل ، بل إنَّ بعض الدول تضع الإلحاد مبدأ دستورياً ، وهو الذي يسمى بالعلمانية ، وكثير من الدول التي تتحكم في رقاب المسلمين تسير على هذا النهج ، وقد ترضى عوامّ الناس بأن تضع مادة في دستورها تقول : دين الدولة الإسلام ، ثمَّ تهدم هذه المادة بالموادّ السابقة واللاحقة ، والتشريعات التي تحكم العباد .

فهل صحيح أنَّ البشرية بلغت – اليوم – مبلغاً يجعلها تستغني عن الرسل وتعاليم الرسل ؟ وهل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تقود نفسها بعيداً عن منهج الرسل ؟

يكفي في الإجابة أن ننظر في حال تلك الدول التي نسميها متقدمة متحضرة كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين – لنعلم مدى الشقاء الذي يغشاهم ، نحن لا ننكر أنَّهم بلغوا في التقدّم المادي شأواً بعيداً ، ولكنّهم في الجانب الآخر الذي جاء الرسل وجاءت تعاليمهم لإصلاحه انحدروا انحداراً بعيداً .

لا ينكر أحد أنَّ الهموم والأوجاع النفسية والعقد النفسية – اليوم – سمة العالم المتحضر ، الإنسان في العالم المتحضر اليوم فقد إنسانيته ، خسر نفسه ، ولذلك فإن الشباب هناك يتمردون ، يتمردون على القيم والأخلاق والأوضاع والقوانين ، أخذوا يرفضون حياتهم التي يعيشونها ، وأخذوا يتبعون كل ناعق من الشرق أو الغرب يلوِّح لهم بفلسفة أو دروشة أو سفسطة يظنون فيه هناءهم ، لقد تحوّل عالم الغرب إلى عالم تنخر الجريمة عظامه ، وتقوده الانحرافات والضياع ، لقد زلزلت الفضائح أركان الدول الكبرى، والخافي أعظم وأكثر من البادي ، إن الذين يسمّون – اليوم – بالعالم المتحضر يخربون بيوتهم بأيديهم ، حضارتهم تقتلهم ، حضارتهم تفرز سموماً تسري فيهم فتقتل الأفراد ، وتفرق المجتمعات ، الذين نسميهم اليوم بالعالم المتحضر كالطائر الجبّار الذي يريد أن يحلق في أجواز الفضاء بجناح واحد .

إننا بحاجة إلى الرسل وتعاليمهم لصلاح قلوبنا ، وإنارة نفوسنا ، وهداية عقولنا ... ونحن بحاجة إلى الرسل كي نعرف وجهتنا في الحياة ، وعلاقتنا بالحياة وخالق الحياة .

نحن بحاجة إلى الرسل كيلا ننحرف أو نزيغ فنقع في المسنقع الآسن .

ابن القيم يبين مدى الحاجة إلى الرسل :

يقول ابن القيم مبيناً حاجة العباد إلى الرسل وتعاليمهم :

" ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول ، وما جاء به ، وتصديقه فيما أخبر به ، وطاعته فيما أمر ، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلاّ على أيدي الرسل ، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلاّ من جهتهم ، ولا يُنال رضا الله ألبتة إلاّ على أيديهم ، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلاّ هديهم وما جاؤوا به ، فهم الميزان الراجح ، الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأخلاق والأعمال ، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال ، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه ، والعين إلى نورها ، والروح إلى حياتها ، فأيّ ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير .

وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك ، وصار كالحوت إذا فارق الماء ، ووضع في المقلاة ، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال ، بل أعظم ، ولكن لا يحسُّ بهذا إلاّ قلبٌّ حيٌّ .

ما لجرح بميت إيلام (1)

وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه ، وأحبَّ نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين ، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه ، والناس في هذا بين مستقلٍّ ، ومستكثر ، ومحروم ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو فضل عظيم " (2) .

ابن تيمية يبين الحاجة إلى الرسل والرسالات :

وممن جلى هذه المسألة وبينها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال : " الرسالة ضرورية للعباد ، لا بدَّ لهم منها ، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته ، فأيُّ صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور ؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة ، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة ، وهو من الأموات ، قال الله تعالى : ( أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في النَّاس كمن مَّثله في الظُّلمات ليس بخارجٍ منها ) [ الأنعام : 122 ] ، فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل ، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان ، وجعل له نوراً يمشي به في الناس ، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات " .

وبين رحمه الله تعالى : " أن الله سمّى رسالته روحاً ، والروح إذا عدم فقدت الحياة ، قال الله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نَّهدي به من نَّشاء من عبادنا ) [ الشورى : 52 ] ، فذكر هنا الأصلين ، وهما : الروح ، والنور ، فالروح الحياة ، والنور النور " وبين رحمه الله تعالى :" أن الله يضرب الأمثال للوحي الذي أنزله حياة للقلوب ونوراً لها بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض ، وبالنَّار التي يحصل بها النور ، وهذا كما في قوله تعالى : ( أنزل من السَّماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السَّيل زبداً رَّابياً وممَّا يوقدون عليه في النَّار ابتغاء حليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مثله كذلك يضرب الله الحقَّ والباطل فأمَّا الزَّبد فيذهب جفاءً وأمَّا ما ينفع النَّاس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) [ الرعد : 17 ] .

يقول شيخ الإسلام رحمه الله معقباً على الآية : " فشبه العلم بالماء المنزل من السماء لأن به حياة القلوب ، كما أنَّ بالماء حياة الأبدان ، وشبّه القلوب بالأودية ، لأنّها محلّ العلم ، كما أنَّ الأودية محل الماء ، فقلب يسع علماً كثيراً ، وواد يسع ماءً كثيراً ، وقلب يسع علماً قليلاً ، وواد يسع ماءً قليلاً  ، وأخبر تعالى أنَّه يعلو على السيل من الزبد بسبب مخالطة الماء ، وأنّه يذهب جفاءً ، أي : يرمى به ، ويخفى ، والذي ينفع الناس يمكث في الأرض ويستقر ، وكذلك القلوب تخالطها الشهوات والشبهات ، ثم تذهب جفاءً ، ويستقر فيها الإيمان والقرآن الذي ينفع صاحبه والناس ، وقال : ( وممَّا يوقدون عليه في النَّار ابتغاء حليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مثله كذلك يضرب الله الحقَّ والباطل ) [ الرعد : 17 ] . فهذا المثل الآخر وهو الناري ، فالأول للحياة ، والثاني للضياء .

وبين رحمه الله أن لهذين المثالين نظيراً " وهما المثالان المذكوران في سورة البقرة في قوله تعالى : ( مثلهم كمثل الَّذي استوقد ناراً فلمَّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلماتٍ لا يبصرون – صمُّ بكم عميٌ فهم لا يرجعون – أو كصيبٍ من السَّماء فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصَّواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين ) [ البقرة : 17-19 ] .

وبعد أن بيَّن الشيخ رحمه الله وصف المؤمن ، بين وصف الكافر ، فقال : " وأمّا الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حيّ ، وإن كانت حياته حياة بهيمية ، فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التي سببها الإيمان ، وبها حصل للعبد السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة ، فإنّ الله – سبحانه – جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم ، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم ، وبعثوا جميعاً بالدعوة إلى الله وتعريف الطريق الموصل إليه ، وبيان حالهم بعد الوصول إليه " .

ثم بيّن رحمه الله هذه الأصول التي أشار إليها هنا فقال : " فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر ، وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه ، وهي القصص التي قصّها الله على عباده والأمثال التي ضربها لهم .

والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة ، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه . والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخـر ، والجنّة والنار والثواب والعقاب " .

ثم بيّن أنَّ " على هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر ، والسعادة والفلاح موقوفة عليها ، ولا سبيل إلى معرفتها إلاّ من جهة الرسل ، فإنَّ العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها ، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة ، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه ، ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض ، وتنزيل الدواء عليه " (3) .

مقارنة بين حاجة العباد إلى علم الرسل وعلم الطب :

عقد ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم (( مفتاح دار السعادة )) مقارنة بيّن فيها أنّ حاجة الناس إلى الشريعة أعظم من حاجتهم إلى علم الطب مع شدّة حاجة الناس إليه لصلاح أبدانهم ، فحاجتهم إلى الرسالة أعظم من حاجتهم إلى غيرها من العلوم ، قال : " حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية ، فوق حاجتهم إلى كل شيء ، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها ، ألا ترى أنَّ أكثر العالم يعيشون بغير طبيب ، ولا يكون الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة ، وأمَّا أهل البدو كلهم ، وأهل الكفور كلّهم ، وعامة بني آدم – لا يحتاجون إلى طبيب ، وهم أصحُّ أبدانا ، وأقوى طبيعة ممن هو متقيد بالطبيب ، ولعّل أعمارهم متقاربة ، وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم ، واجتناب ما يضرهم ، وجعل لكلّ قوم عادة وعرفاً في استخراج ما يهجم عليهم من الأدواء ، حتى إنَّ كثيراً من أصول الطب إنما أخذت من عوائد الناس ، وعرفهم وتجاربهم .

وأمّا الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضا الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية ، فمبناها على الوحي المحض ، والحاجة إلى التنفس فضلاً عن الطعام والشراب، لأنّ غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن ، وتعطل الروح عنه ، وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة ، وهلاك الأبد ، وشتان بني هذا وهلاك البدن بالموت ، فليس النّاس قطّ إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والقيام به ، والدعوة إليه ، والصبر عليه ، وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه ، وليس للعالم صلاح بدون ذلك ألبتة ، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلاّ بالعبور على هذا الجسم " (4) .

هل يمكن أن يستغني العقل عن الوحي :

يزعم الناس في عالم اليوم أنّه يمكنهم الاستغناء عن الرسل والرسالات بالعقول التي وهبهم الله إياها ، ولذلك نراهم يسنُّون القوانين ، ويحلُّون ويحرمون ، ويخططون ويوجهون ، ومستندهم في ذلك كلّه أن عقولهم تستحسن ذلك أو تقبحه ، وترضى به أو ترفضه ، وهؤلاء لهم سلف قالوا مثل مقالتهم هذه " فالبراهمة – وهم طائفة من المجوس – زعموا أن إرسال الرسل عبث ، لا يليق بالحكيم ، لإغناء العقل عن الرسل ، لأنّ ما جاءت به الرسل إن كان موافقاً للعقل حسناً عنده فهو يفعله ، وإن لم يأت به ، وإن كان مخالفاً قبيحاً – فإن احتاج إليه فعله وإلاّ تركه " (5) .

ولا يجوز في مجال الحجاج والنزاع أن يبادر المسلم إلى إنكار قدرة العقل على إدراك الحسن والقبح ، " فإنّ الله قد فطر عباده على الفرق بين الحسن والقبيح ، وركب في عقولهم إدراك ذلك ، والتمييز بين النوعين ، كما فطرهم على الفرق بين النافع والضار والملائم لهم والمنافر ، وركب في حواسهم إدراك ذلك ، والتمييز بين أنواعه .

والفطرة الأولى : ( وهي فطرته العباد على الفرق بين الحسن والقبيح ) هي خاصة الإنسان التي تميز بها عن غيره من الحيوانات ، وأما الفطرة الثانية ( وهي فطرته للعباد على الفرق بين النافع والضار .. ) فمشتركة بين أصناف الحيوان " (6) والذي ينبغي أن ينازع فيه أمور :

الأول : أنّ هناك أموراً هي مصلحة الإنسان لا يستطيع الإنسان إدراكها بمجرد عقله ، لأنها غير داخلة في مجال العقل ودائرته ، " فمن أين للعقل معرفة الله – تعالى – بأسمائه وصفاته ..؟ ومن أين له معرفة تفاصيل شرعه ودينه الذي شرعه لعباده ؟ ومن أين له معرفة تفاصيل ثوابه وعقابه ، وما أعدّ لأوليائه ، وما أعدّ لأعدائه ، ومقادير الثواب والعقاب ، وكيفيتهما ، ودرجاتهما ؟ ومن أين له معرفة الغيب الذي لم يُظهِر اللهُ عليه أحداً من خلقه إلاّ من ارتضاه من رسله إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل ، وبلغته عن الله، وليس في العقل طريق إلى معرفته " (7) .

الثاني : أن الذي يدرك العقل حسنه أو قبحه يدركه على سبيل الإجمال ، ولا يستطيع أن يدرك تفاصيل ما جاء به الشرع ، وإن أدركت التفاصيل فهو إدراك لبعض الجزئيات وليس إدراكاً كلياً شاملاً : " فالعقل يدرك حسن العدل ، وأما كون هذا الفعل المعين عدلاً أو ظلماً فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كلّ فعل وعقد " (8) .

الثالث : أن العقول قد تحار في الفعل الواحد ، فقد يكون الفعل مشتملاً على مصلحة ومفسدة ، ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أو مصلحته ، فيتوقف العقل في ذلك، فتأتي الشرائع بيان ذلك ، وتأمر براجح المصلحة ، وتنهى عن راجح المفسدة ، وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص مفسدة لغيره ، والعقل لا يدرك ذلك ، وتأتي الشرائع ببيانه، فتأمر به من هو مصلحة له ، وتنهى عنه من حيث هو مفسدة في حقّه ، وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر ، وفي ضمنه مصلحة عظيمة لا يهتدي إليها العقل ، فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة ، والمفسدة الراجحة " (9) .

وفي هذا يقول ابن تيمية : " الأنبياء جاؤوا بما تعجز العقول عن معرفته ، ولم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه ، فهم يخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول " (10) .

الرابع : ما يتوصل إليه العقل وإن كان صحيحاً ، فإنه ليس إلا فرضيات ، قد تجرفها الآراء المتناقضة ، والمذاهب الملحدة .

ولو استطاعت البقاء فإنها – في غيبة الوحي – ستكون تخمينات شتى ، يلتبس فيها الحق بالباطل .

بطلان قول البراهمة :

والبراهمة الذين يزعمون أنّ العقل يغني عن الوحي لا نحتاج إلى إيراد الحجج لإبطال قولهم ، وكل ما نفعله أن نوجه الأنظار إلى ما قادتهم إليه عقولهم التي زعموا أنهم يستغنون بها عن الوحي ، هذا زعيم من زعمائهم في القرن العشرين يقول مفاخراً (11) :" عندما أرى البقرة لا أجدني أرى حيواناً ، لأني أعبد البقرة ، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع " . ولقد قاده عقله إلى تفضيل أمّه البقرة على أمّه التي ولدته : " وأمي البقرة تفضل أمّي الحقيقية من عدة وجوه ، فالأمّ الحقيقية ترضعنا مدة عام أو عامين ، وتتطلب منّا خدمات طول العمر نظير هذا ، ولكنّ أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائماً ، ولا تطلب منّا شيئاً مقابل ذلك سوى الطعام العادي .. " ومضى عابد البقر يقارن بين أمّه البقرة وأمّه الحقيقية مورداً الحجج والبراهين على أفضلية أمّه البقرة على أمّه الحقيقية إلى أن قال : " إنّ ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبـادة والإجلال ، وأنا أعدّ نفسي واحداً من هؤلاء الملايين " .

وقد قرأت منذ مدة في مجلة العربي التي تصدر في الكويت عن معبد فخم مكسو بالرخام الأبيض ترسل إليه الهدايا والألطاف – من شتى أنحاء الهند ، بقي أن تعلم أنّ الآلهة التي تقدم لها القرابين وترسل لها النذور في ذلك المعبد الفخم إنّما هي الفئران .

هذه بعض الترهات التي هدتهم إليها عقولهم التي زعموا أنّ فيها غنية عن الوحي الإلهي .

مجالات العقل :

إن الذين يريدون أن يستغنوا عن الوحي بالعقل يظلمون العقل ظلماً كبيراً ، ويبددون طاقة العقل في غير مجالها ، " إن للعقل اختصاصه وميدانه وطاقته ، فإذا اشتغل خارج اختصاصه جانبه الصواب ، وحالفه الشطط والتخبط ، وإذا أجري في غير ميدانه كبا وتعثر ، وإذا كلف فوق طاقته كان نصيبه العجز والكلال .

إن العالم المادي المحسوس أو عالم الطبيعة هو ميدان العقل الفسيح الذي يصول فيه ويجول ، فيستخرج مكنوناته ، ويربط بين أسبابه وعلله ، ومقدماته ونتائجه ، فيكشف ويخترع ، ويتبحّر في العلوم النافعة في مختلف ميادين الحياة ، وتسير عجلة التقدم البشري إلى أمام .

أما إذا كلف النظر خارج اختصاصه أعني ما وراء الطبيعة فإنه يرجع بعد طول البحث والعناء بما لا يروي غليلاً ولا يشفي عليلاً ، بل يرجع بسخافات وشطحات " (12) .

موقع العقل من الوحي :

يزعم كثير من الناس أن الوحي يلغي العقل ويطمس نوره ، ويورثه البلادة والخمول، وهذا زعم كاذب ، ليس له من الصحة نصيب ، فالوحي الإلهي وجّه العقول إلى النظر في الكون والتدبر فيه ، وحث الإنسان على استعمار هذه الأرض ، واستثمارها ، وفي مجال العلوم المنزلة من الله وظيفة العقل أن ينظر فيها ، ليستوثق من صحة نسبتها إلى الله تعالى ، فإن تبين له صحة ذلك فعليه أن يستوعب وحي الله إليه ، ويستخدم العقل الذي وهبه الله إياه في فهم وتدبر الوحي ، ثم يجتهد في التطبيق والتنفيذ .

والوحي مع العقل كنور الشمس أو الضوء مع العين ، فإذا حجب الوحي عن العقل لم ينتفع الإنسان بعقله ، كما أنّ المبصر لا ينتفع بعينه إذا عاش في ظلمة ، فإذا أشرقت الشمس ، وانتشر ضوؤها انتفع بناظريه ، وكذلك أصحاب العقول إذا أشرق الوحي على عقولهم وقلوبهم أبصرت واهتدت ( فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصُّدور ) [ الحج : 46 ] .

--------------------------------

(1) عجز بيت للمتنبي وصدره :

      من يهن يسهل الهوان عليه

      وهو في ديوانه : 4/277 من قصيدة يمدح بها أبا الحسن علي بن أحمد المري الخراساني .

(2) زاد المعاد : (1/15) .

(3) النصوص السابقة من هذا الحديث منقولة من مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 19/93-96 .

(4) مفتاح دار السعادة : (2/2) .

(5) لوامع الأنوار البهية : (2/256) .

(6) مفتاح دار السعادة : 2/116 .

(7) مفتاح دار السعادة : 2/117 .

(8) مفتاح دار السعادة : 2/117 .

(9) مفتاح دار السعادة : 2/117 .

(10) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 2/312 .

(11) هو زعيم الهند غاندي ، انظر أقواله في كتاب مقارنة الأديان : 4/32 ( نظرات في النبوة ص 27 ) .

(12) نظرات في النبوة : ص17 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M