البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> الرسل والأنبياء >>

 

الوحي

المبحث الأول

النبّوة منحة إلهيّة (1)

النبوة منحة إلهية ، لا تنال بمجرد التشهي والرغبة ، ولا تنال بالمجاهدة والمعاناة ، وقد كذّب الفلاسفة الذين زعموا أن النبوة تنال بمجرد الكسب بالجدّ والاجتهاد ، وتكلّف أنواع العبادات ، واقتحام أشقّ الطاعات ، والدأب في تهذيب النفوس ، وتنقية الخواطر ، وتطهير الأخلاق ، ورياضة النفس والبدن (2) .

وقد بيّن الله في أكثر من آية أنّ النبوة نعمة ربانية إلهية ، قال تعالى : ( أولئك الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيين من ذريَّة آدم وممَّن حملنا مع نوحٍ ومن ذريَّة إبراهيم وإسرائيل وممَّن هدينا واجتبينا ) [ مريم : 58 ] ، وحكى الله قول يعقوب لابنه يوسف : ( وكذلك يجتبيك ربُّك ) [ يوسف : 6 ] ، وقال الله لموسى : ( إني اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي ) [ الأعراف : 144 ] .

وقد طمع أمية بن أبي الصَّلت في أن يكون نبي هذه الأمة ، وقال الكثير من الشعر متوجهاً به إلى الله ، وداعياً إليه ، ولكنه لم يحصل على مراده ، وصدق الله إذ يقول : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] .

وعندما اقترح المشركون أن يختار الله لأمر النبوة والرسالة أحد الرجلين العظيمين في مكة والطائف عروة بن مسعود الثقفي أو الوليد بن المغيرة ، أنكر الله ذلك القول ، وبين أنّ هذا مستنكر ، فهو الإله العظيم الذي قسم بينهم أرزاقهم في الدنيا ، أفيجوز لهم أن يتدخلوا في تحديد المستحقِّ لرحمة النبوة والرسالة ؟ ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيمٍ – أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم مَّعيشتهم في الحياة الدُّنيا .. ) [ الزخرف : 31-32 ] وسنبين في هذا الفصل الطريق الذي يصبح به الذين اختارهم الله أنبياء .

المبحث الثاني

طريق إعلام الله أنبياءه ورسله

تعريف الوحي :

سمي الله الطريق الذي يعلم الله به أنبياءَه ورسله وحياً ، قال تعالى : ( إنَّ أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنَّبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبوراً ) [ النساء : 163 ] .

والوحي في اللغة : الإعلام الخفّي السريع مهما اختلفت أسبابه (3) ، فقد يكون بالإلهام كوحي الله إلى الحواريين : ( وإذ أوحيت إلى الْحَوَارِيِّينَ أن آمنوا بي وبرسولي ) [ المائدة : 111 ] وكوحي الله لأم موسى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) [ القصص : 7 ] ، ويأتي بمعنى الإيماء والإشارة ، فقد سمّى القرآن إشارة زكريا إلى قومه وحياً ( فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشيّاً ) [ مريم : 11 ] .

وأكثر ما وردت كلمة (( وحي )) في القرآن الكريم بمعنى إخبار وإعلام الله من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم ، بطريقة سرّية خفيّة ، غير معتادة للبشر .

مقامات وحي الله إلى رسله :

للوحي الذي يعلم الله به رسله وأنبياءَه مقامات ، قال الله تعالى مبيِّناً هذه المقامات : ( وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلاَّ وحيّاً أومن وراء حجابٍ أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنَّه عليٌّ حكيم ٌ ) [ الشورى : 51 ] .

فالمقامات ثلاثة :

الأولى : الإلقاء في روع النبي الموحى إليه ، بحيث لا يمتري النبي في أنّ هذا الذي ألقي في قلبه من الله تعالى ، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال : " إنّ روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب " (4) . وذهب ابن الجوزي إلى أن المراد بالوحي في قوله : ( إلاًّ وحياً ) الوحي في المنام (5) .

رؤية الأنبياء :

وهذا الذي فسّر به ابن الجوزي المقام الأول داخل في الوحي بلا شّك ، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌ ، ولذلك فإنَّ خليل الرحمن إبراهيم بادر إلى ذبح ولده عندما رأى في المنام أنّه يذبحه ، وعدّ هذه الرؤيا أمراً إلهياً ، قال تعالى في إبراهيم وابنه إسماعيل : ( فلمَّا بلغ معه السَّعي قال يا بنيَّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصَّابرين – فلمَّا أسلما وتلَّهُ للجبين – وناديناه أن يا إبراهيم – قد صدَّقت الرؤيا إنَّا كذلك نجزي المحسنين ) [ الصافات : 102- 105 ] .

وفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت : " أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح " (6) .

المقام الثاني : تكليم الله لرسله من وراء حجاب :

وذلك كما كلَّم الله تعالى موسى عليه السلام ، وذكر الله ذلك في أكثر من موضع في كتابه : ( ولمَّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه ) [ الأعراف : 143 ] ، ( فلمَّا أتاها نودي يا موسى – إنّي أنا ربُّك فاخلع نعليك إنَّك بالواد المقدَّس طوى – وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى – إنَّني أنا الله لا إله إلاَّ أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) [ طه : 11-14 ] ، وممن كلّمه الله آدم عليه السلام ( قال يا آدم أَنبِئْهُم بأسمائهم فلمَّا أَنبَأَهُمْ بأسمائهم .. ) [ البقرة : 33 ] ، وكلّم الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء .

المقام الثالث : الوحي إلى الرسول بواسطة الملك :

وهذا هو الذي يفقه من قوله تعالى : ( أو يرسل رسولاً فَيُوحِيَ بإذنه ما يشاء ) [ الشورى : 51 ] وهذا الرسول هو جبريل ، وقد يكون غيره وذلك في أحوال قليلة (7) .

صفة مجيء الملك إلى الرسول :

بالتأمل في النصوص في هذا الموضوع نجد أنّ للملك ثلاثة أحوال (8) :

الأول : أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلقه الله عليها ، ولم يحدث هذا لرسولنا صلى الله عليه وسلم إلا مرتين .

الثاني : أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس ، فيذهب عنه وقد وعى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال .

الثالث : أن يتمثل له الملك رجلاً فيكلّمه ويخاطبه ويعي عنه قوله ، وهذه أخف الأحوال على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حدث هذا من جبريل في اللقاء الأول عندما فجأه في غار حراء .

بشائر الوحي :

كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل معاينته للملك ، يرى ضوءاً ، ويسمع صوتاً ، ولكنه لا يرى الملك الذي يحدث الضوء ، ولا يرى مخاطبه والهاتف به ، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال : " مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة ، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئاً ، وثمان سنين يوحى إليه ، وأقام بالمدينة عشراً " (9) .

قال النووي : " يسمع الصوت ويرى الضوء " قال القاضي : " أي : صوت الهاتف من الملائكة ، ويرى الضوء ، أي : نور الملائكة ، ونور آيات الله ، حتى رأى الملك بعينيه، وشافهه بوحي الله " (10) .

أثر الملك في الرسول :

من المزاعم التي يدعيها المكذبون بالرسل أن ما كان يصيب الرسول صلى الله عليه وسلم إنّما هو نوع من الصرع ، أو اتصال من الشياطين به ، وكذبوا في دعواهم ، فالأمران مختلفان ، فالذي يصيبه الصرع يصفرُّ لونه ، ويخفُّ وزنه ، ويفقد اتزانه ، وكذلك الذي يصيبه الشيطان ، وقد يتكلم الشيطان على لسانه ، ويخاطب الحاضرين ، وعندما يفيق من غيبوبته لا يدري ولا يذكر شيئاً ممّا خاطب به الشيطان الحاضرين على لسانه ، أمّا الرسول صلى الله عليه وسلم فإن اتصال الملك به نماء في جسده ، وإشراق في وجهه ، ثمّ إن الجالسين لا يسمعون كلاماً ، إنما يسمعون دوياً كدويّ النحل عند وجهه (11) ، ويقوم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وقد وعى كلّ ما أخبر به الملك ، فيكون هو الذي يخبر أصحابه بما أوحي إليه .

فقد أخبرتنا عائشة – رضي الله عنها وعن أبيها – أنها رأت الرسول صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقاً (12) .

وفي رواية عنها : " إن كان لينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغداة الباردة ، ثم تفيض جبهته عرقاً " (13) .

وأخبرتنا أنّ ناقته عندما كان يوحى إليه وهو فوقها يضرب حزامها وتكاد تبرك به من ثقله فوقها (14) ويذكر أحد الصحابة أنّ فخذه كانت تحت فخذ النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل إليه ، فكادت فخذ النبي صلى الله عليه وسلم حين الإنزال إليه ترض فخذ الصحابي (15) .

وهذا يعلى بن أمّية يحدثنا عن مشاهدة تنزُّل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان يتمنى قبل ذلك أن يراه في تلك الحال ، قال : " فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمّر الوجه ، وهو يغطُّ ، ثمّ سُرِّي عنه " (16) .

--------------------------------

(1) ذهبت المعتزلة إلى أن إرسال الرسل وإنزال الكتب واجب على الله تعالى ، والحقُّ أن ذالك تفضل من الله تعالى على عباده ،  ورحمة بهم ، والقول بالوجوب يتجه إذا قلنا : أوجبه هو تعالى على نفسه ( انظر لوامع الأنوار البهية : 2/256 ، 258) .

(2) لوامع الأنوار البهية : (2/267) .

(3) راجع فتح الباري : 1/9 ، المصباح المنير : 651 ، 652 .

(4) حديث صحيح بشواهده أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) 10/26 ، 27 ، من حديث أبي أمامة ، وأورده البغوي في ((شرح السنة)) 14/303-304 (4111-4113) من عدة طرق عن ابن مسعود مرفوعاً ، وانظر ((المستدرك)) 2/5 (2136) ، و ((كشف الخفاء)) 1/286 (707) ط. مؤسسة الرسالة .

(5) زاد المسير : (7/297) .

(6) صحيح البخاري ، وصحيح مسلم : (160) ، واللفظ للبخاري .

(7) راجع في هذا كتاب أ.د. عمر الأشقر : عالم الملائكة ص : 40 .

(8) راجع : المصدر السابق .

(9) انظر النووي على مسلم : (15/104) . وهذا الذي ذكره ابن عباس خلاف المحفوظ في مقدار المدة التي كان يوحى إليه فيها بمكة ، فالمحفوظ أنه أوحي إليه في سنّ الأربعين وهاجر وعمره ثلاث وخمسـون سنة ، فتكون المدة ثلاث عشرة سنة .

(10) النووي على مسلم : (15/104) .

(11) رواه أحمد في ((المسند)) 1/350 (223) ، والترمذي (3173) ، والنسائي في ((السنن الكبرى)) 2/169-170 (1443) من حديث عمر بن الخطاب .

(12) صحيح البخاري .

(13) صحيح مسلم : 2333 .

(14) أشار إلى هذا البيهقي في الدلائل عن عائشة (انظر فتح الباري: 1/21) .

(15) أخرجه أحمد في ((المسند)) 35/480 (21601) ، والبخاري (2832) من حديث زيد بن ثابت .

(16) حديث يعلى في البخاري رقم : 1536 ، ومسلم : 1180 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M