البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> الرسل والأنبياء >>

 

العصمة من الشرك والمعاصي والذّنوب

المطلب الأول

العصمة من الكبائر

الأمة الإسلامية مجمعة على عصمة الأنبياء والرسل من الكبائر من الذنوب وقبائح العيوب ، كالزنى والسرقة والمخادعة ، وصناعة الأصنام وعبادتها ، والسحر ، ونحو ذلك ، وقد برأ كتاب الله وسنة رسوله أنبياء الله ورسله مما افتراه عليهم اليهود والنصارى في المحرف من كتبهم ، وإليك بعض ما نسبوه إليهم :

أولاً : ما نسب اليهود إلى الأنبياء والمرسلين من القبائح :

1- زعموا أن نبيّ الله هارون صنع عجلاً ، وعبده مع بني إسرائيل ، [ إصحاح (32) عدد (1) من سفر الخروج ] .

وقد بيّن ضلالهم هذا القرآن عندما حدثنا أنّ الذي صنع لهم عجلاً جسداً له خوار هو السامري ، وأن هارون قد أنكر عليهم إنكاراً شديداً .

2- أن إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قدّم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها . [ إصحاح (12) عدد (14) من سفر التكوين ] . 

وقد كذبوا على خليل الرحمن ، وقد قص علينا الرسول صلى الله عليه وسلم قصة إبراهيم هذه عند دخوله لمصر ، وفيها أن ملك مصر كان طاغية ، وكان إذا وجد امرأة جميلة ذات زوج قتل زوجها وحازها لنفسه ، فلما سئل إبراهيم عنها قال هي أخته ، يعني أخته في الإسلام ، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله حفظ سارة عندما ذهبت إلى الطاغية ، فلم يمسها بأذى .

3- ومن ذلك أن لوطاً عليه السلام شرب خمراً حتى سكر ، ثمّ قام على ابنتيه فزنى بهما الواحدة بعد الأخرى .. [ سفر التكوين ، إصحاح (19) عدد (30) ] ومعاذ الله أن يفعل لوط ذلك ، وهو الذي دعا إلى الفضيلة طيلة عمره ، وحارب الرذيلة ، ولكنّه الحقد اليهودي يمتد إلى الكملة من البشر ، فلعنة الله على الظالمين .

4- وأن يعقوب عليه السلام سرق مواشٍ من حميّه ، وخرج بأهله خلسة دون أن يُعلمه .. [ سفر التكوين ، إصحاح (31) عدد (17) ] .

5- وأن روابين زنى بزوجة أبيه يعقوب ، وأن يعقوب عليه السلام ، علم بهذا الفعل القبيح وسكت .. [ سفر التكوين ، إصحاح (35) عدد (32) ] .

6- وأن داود عليه السلام زنى بزوجة رجل من قواد جيشه ، ثم دبر حيلة لقتل الرجل ، فقتل ، وبعدئذ أخذ داود الزوجة وضمها إلى نسائه ، فولدت له سليمان . [ سفر صموئيل الثاني إصحاح (11) عدد (1) ] .

7- وأن سليمان ارتد في آخر عمره ، وعبد الأصنام ، وبنى لها المعابد .. [ سفر الملوك الأول ، إصحاح (11) عدد (5) ] .

هذه بعض المخازي والقبائح والكبائر التي نسبتها هذه الأمة المغضوب عليها إلى أنبياء الله الأطهار ، وحاشاهم مما وصفوهم به ، ولكنها النفوس المريضة تنسب إلى خيرة الله من خلقه القبائح ، ليسهل عليهم تدبير ذنوبهم ومعايبهم عندما ينكر عليهم منكر ، ويعترض عليهم معترض .

ثانياً : ما نسبه النصارى من القبائح إلى الأنبياء :

والنصارى ليسوا بأفضل من اليهود في هذا ، فقد نسبوا إلى الأنبياء والرسل القبائح ، وذلك بتصديقهم بالتوراة المحرفة المغيرة الموجودة اليوم والتي فيها ما ذكرنا ، بالإضافة إلى ما في الإنجيل المحرف ومما فيه :

1- ورد في إنجيل (متى) أن عيسى من نسل سليمان بن داود ، وأن جدهم فارض الذي هو من نسل الزنى من يهوذا بن يعقوب .. [ إصحاح متى الأول ، عدد (10) ] .

2- وفي إنجيل [ يوحنا إصحاح (2) عدد (4) ] أن يسوع أهان أمَّه في وسط جمع من الناس ، فأين هذا مما وصفه به القرآن ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ) [ مريم : 32 ] .

3- وأن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سراق ولصوص .. [ إنجيل يوحنا ، إصحاح (10) عدد (8) ] .

هذا غيض من فيض مما تطفح به تلك الأناجيل المحرفة من وصف الأنبياء والرسل بما هم بريئون منه (1) ، إن الأنبياء والرسل أزكى الناس وأطهرهم وأفضلهم ، ووالله إن هؤلاء لضالون فيما وصفوا به أنبياء الله الأبرار الأطهار .

ولذا فإن الأمة الإسلامية هي المدافعة عن الأنبياء والرسل ، المشيدة بمآثرهم ، فهي وراثة الأنبياء ، المقيمة لدينهم ، بخلاف ما عليه اليهود والنصارى تجاه أنبيائهم .

المطلب الثاني

العصمة من الصغائر

ذهب أكثر علماء الإسلام إلى أن الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر ، وقال ابن تيمية : " القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف ، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام ، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أنّ هذا قول أكثر الأشعرية ، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلاّ ما يوافق هذا القول .." (2) .

الأدلة :

وقد استدل جماهير العلماء على دعواهم بأدلة :

1- معصية آدم بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها ، ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى - فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى - إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى - فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى - فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) [ طه : 116-121 ] .

والآية في غاية الوضوح والدلالة على المراد ، فقد صرحت بعصيان آدم ربه .

2- ونوح دعا ربه في ابنه الكافر ( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ) [ هود : 45 ] ، فلامه ربه على مقالته هذه ، وأعلمه أنّه ليس من أهله ، وأن هذا منه عمل غير صالح ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) [هود : 46] فاستغفر ربّه من ذنبه وتاب وأناب ( قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ) [ هود : 47 ] .

والآية صريحة في كون ما وقع منه كان ذنباً يحتاج إلى مغفرة ( وإلاَّ تغفر لي وترحمني .. ) .

3- وموسى أراد نصرة الذي من شيعته ، فوكز خصمه فقضى عليه ( قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ - قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ القصص : 15-16 ] ، فقد اعترف موسى بظلمه لنفسه ، وطلب من الله أن يغفر له ، وأخبر الله بأنه غفر له .

4- وداود عليه السلام تسّرع في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني ، فأسرع إلى التوبة فغفر الله له ذنبه ( فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعاً وأناب – فغفرنا له ذلك ) [ ص : 24-25 ] .

5- ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم عاتبه ربه في أمور ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ التحريم : 1 ] نزلت بسبب تحريم الرسول صلى الله عليه وسلم العسل على نفسه ، أو تحريم مارية القبطية .

وعاتبه ربه بسبب عبوسه في وجه الأعمى ابن أم مكتوم ، وانشغاله عنه بطواغيت الكفر يدعوهم إلى الله ، والإقبال على الأعمى الراغب فيما عند الله هو الذي كان ينبغي أن يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم : (عَبَسَ وَتَوَلَّى - أَن جَاءهُ الْأَعْمَى - وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى - أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى .. ) [ عبس : 1-4 ] .

وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم من أسرى بدر الفدية فأنزل الله تعالى : ( لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ الأنفال : 68 ] .

هذه أمثلة اكتفينا بذكرها عن غيرها ، وإلاّ فقد ورد في القرآن مغاضبة يونس لقومه، وخروجه من قومه من غير إذن من ربه ، وما صنعه أولاد يعقوب بأخيهم يوسف في إلقائه في غيابة الجبِّ ، ثم أوحى الله إليهم وجعلهم أنبياء .

القائلون بعصمة الأنبياء من الصغائر :

يستعظم بعض الباحثين أن ينسب إلى الأنبياء صغائر الذنوب (3) التي أخبرت نصوص الكتاب والسنة بوقوعها منهم ، ويذهب هؤلاء إلى تهويل الأمر ، ويزعمون أنّ القول بوقوع مثل هذا منهم فيه طعن بالرسل والأنبياء ، ثم يتحملون في تأويل النصوص ، وهو تأويل يصل إلى درجة تحريف آيات الكتاب كما يقول ابن تيمية (4) ، وكان الأحرى بهم تفهم الأمر على حقيقته ، وتقديس نصوص الكتاب والسنة ، واستمداد العقيدة في هذا الأمر وفي كل أمر من القرآن وأحاديث الرسول ، وبذلك نحكمها في كل أمر ، وهذا هو الذي أمرنا به ، أمّا هذا التأويل ، والتحريف بعد تصريح الكتاب بوقوع مثل ذلك منهم فإنّه تحكيم للهوى ، ونعوذ بالله من ذلك .

وقد انتشرت هذه التأويلات عند الكتاب المحدثين ، وهي تأويلات فاسدة من جنس تأويلات الباطنية والجهمية ، كما يقول ابن تيمية (5) .

شبهتان (6) :

الذين منعوا من وقوع الصغائر من الأنبياء أوردوا شبهتين :

الأولى : أن الله أمر باتباع الرسل والتأسي بهم ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب : 21 ] ، وهذا شأن كل رسول ، والأمر باتباع الرسول يستلزم أن تكون اعتقاداته وأفعاله وأقواله جميعها طاعات لا محالة ، لأنه لو جاز أن يقع من الرسول معصية لله تعالى لحصل تناقض في واقع الحال ، إذ يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول الأمر باتباعها وفعلها من حيث كوننا مأمورين بالتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم ، والنهي عن موافقتها من حيث كونها معصية منهي عنها ، وهذا تناقض ، فلا يمكن أن يأمر الله عبداً بشيء في حال أنه ينهاه عنه .

وقولهم هذا يكون صحيحاً ، لو بقيت معصية الرسول خافية غير ظاهرة ، بحيث تختلط علينا الطاعة بالمعصية ، أمّا وأنّ الله ينبه رسله وأنبياؤه إلى ما وقع منهم من مخالفات ويوفقهم إلى التوبة منها ، من غير تأخير فإنّ ما أوردوه لا يصلح دليلاً بل يكون التأسي بهم في هذا منصباً على الإسراع في التوبة عند وقوع المعصية ، وعدم التسويف في هذا ، تأسياً بالرسل والأنبياء الكرام في مبادرتهم بالتوبة من غير تأخير .

الثانية : أنّ هؤلاء توهموا أن الذنوب تنافي الكمال ، وأنها تكون نقصاً وإن تاب التائب منها ، وهذا غير صحيح ، فإنّ التوبة تغفر الحوبة ، ولا تنافي الكمال ، ولا يتوجه إلى صاحبها  اللوم ، بل إنّ العبد في كثير من الأحيان يكون بعد توبته من معصيته خيراً منه قبل وقوع المعصية ، وذلك لما يكون في قلبه من الندم والخوف والخشية من الله تعالى ، ولما يجهد به نفسه من الاستغفار والدعاء ، ولما يقوم به من صالح الأعمال ، يرجو بذلك أن تمحو الصالحات السيئات ، وقد قال بعض السلف : " كان داود عليه السلام بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة " ، وقال آخر : " لو لم تكن التوبة أحبّ الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه " .

وقد ثبت في الصحاح " أن الله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلته ناقته بأرض فلاة ، وعليها طعامه وشرابه ، فنام نومة فقام فوجد راحلته فوق رأسه فقال : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح " (7) .

وفي الكتاب الكريم : ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) [البقرة : 222] وقال تعالى مبيناً مثوبة التائبين : ( إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ... ) [ الفرقان : 70 ] .

وفي يوم القيامة " يدني الله المؤمن ، فيضع عليه كنفه ويستره ، فيقول : أتعرف ذنب كذا ، أتعرف ذنب كذا ، فيقول : نعم ، أي رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه هلك ، قال : سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم " (8) .

ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي إلا وقد سارع إلى التوبة والاستغفار منه ، يدلنا على هذا أن القرآن لم يذكر ذنوب الأنبياء إلا مقرونة بالتوبة والاستغفار ، فأدم وزوجه عصيا فبادرا إلى التوبة قائلين : ( ربَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ الأعراف : 23 ] وما كادت ضربة موسى تسقط القبطي قتيلاً حتى سارع طالباً الغفران والرحمة قائلاً : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) [ القصص : 16 ] . وداود ما كاد يشعر بخطيئته حتى خرّ راكعاً مستغفراً ( فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعاً وأناب ) [ص : 24] .

فالأنبياء لا يقرون على الذنب ، ولا يؤخرون التوبة ، فالله عصمهم من ذلك ، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها .

وبذلك انهارت هاتان الشبهتان ، ولم يثبتا في مجال الحجاج والنقاش ، وحسبنا بالأدلة الواضحة البينة التي تهدي للتي هي أقوم .

السبب في عصمة الأنبياء مما عصموا منه وعدم عصمتهم مما لم يعصموا منه :

الرسل والأنبياء بشر من البشر ، عصمهم الله في تحمل الرسالة وتبليغها ، فلا ينسون شيئاً ، ولا ينقصون شيئاً ، وبذلك يصل الوحي الذي أنزله الله إلى الذين أرسلوا إليهم كاملاً وافياً ، كما أراده الله جلّ وعلا ، وهذه العصمة لا تلازمهم في كلّ أمورهم فقد تقع منهم المخالفة الصغيرة ، بحكم كونهم بشراً ، ولكنّ رحمة الله تتداركهم ، فينبههم الله إلى خطئهم ، ويوفقهم للتوبة والأوبة إليه .

يقول الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر : " إنّ الوحي لا يلازم الأنبياء في كلّ عمل يصدر عنهم ، وفي كلِّ قول يبدر منهم ، فهم عرضة للخطأ ، يمتازون عن سائر البشر بأنّ الله لا يقرّهم على الخطأ بعد صدوره ، ويعاتبهم عليه أحياناً " (9) .

تكريم الأنبياء وتوقيرهم :

هذه الصغائر التي تقع من الأنبياء لا يجوز أن تتخذ سبيلاً للطعن فيهم ، والإزراء عليهم ، فهي أمور صغيرة ومعدودة غفرها الله لهم ، وتجاوز عنها ، وطهرهم منها ، وعلى المسلم أن يأخذ العبرة والعظة لنفسه من هذه ، فإذا كان الرسل الكرام الذين اختارهم الله واصطفاهم عاتبهم الله ولامهم على أمور كهذه ، فإنّه يجب أن نكون على حذر وتخوف من ذنوبنا وآثامنا ، وعلينا أن نتأسى بالرسل والأنبياء في المسارعة إلى التوبة والأوبة إلى الله، وكثرة التوجه إليه واستغفاره .

--------------------------------

(1) راجع لمزيد من الأمثلة كتاب : ( محمد نبي الإسلام ) ص146 .

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 4/319 .

(3) الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مجمعون على عدم وقوع صغائر الذنوب من الأنبياء والأئمة ، راجع عقائد الإمامية لمحمد رضا ص 80 ، 95 وعقائد الإمامية الاثني عشرية لإبراهيم الموسوي الزنجاني ص157 .

(4) مجموع الفتاوى : (10/313) .

(5) المصدق السابق .

(6) ممن أشبع الكلام على هاتين الشبهتين والإجابة عليهما شيخ الإسلام ابن تيمية ، انظر مجموع الفتاوى : 10/293 – 313 ، 15/150 .

(7) انظر روايات الحديث في صحيح البخاري : 6308 ، 6309 ، وفي صحيح مسلم كتاب التوبة ، باب في الحض على التوبة والفرح بها الأحاديث : 2744 – 2747 .

(8) صحيح البخاري : 2441 ، وصحيح مسلم : 2768 .

(9) حياة محمد لهيكل ، انظر مقدمة الكتاب بقلم الشيخ المراغي ص 11 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M