البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> الرسل والأنبياء >>

 

بشارات الأمم السّابقة

قال تعالى :( أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ ) [الشعراء : 197] فالآية تبين أنَّ من الآيات البينات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصدق ما جاء به – علم بني إسرائيل بذلك ، وهو علم مسجل محفوظ مكتوب في كتبهم التي يتداولونها ، كما قال تعالى : ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ) [ الشعراء : 196 ] .

المطلب الأول

القرآن يتحدث عن بشارات الأنبياء السابقين بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم

القرآن المنزل إلينا من ربنا العليم الخبير يحدثنا أن ذكر محمد وأمته موجود في الكتب السماوية السابقة ، وأنَّ الأنبياء السابقين بشروا به ، وقد فهم جمع من المفسرين من قوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ) [ آل عمران :81 ] – أنّ الله أخذ العهد والميثاق على كلّ نبي لئن بُعث محمد صلى الله عليه وسلم في حياته ليؤمنن به ويترك شرعه لشرعه، وعلى ذلك فإن ذكره موجود عند كل الأنبياء السابقين .

1- دعوة إبراهيم :

عن العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : " إني عند الله مكتوب خاتم النبيين ، وإنَّ آدم لمنجدل في طينته ، وسأخبركم بأول أمري ، دعوةُ إبراهيم، وبشارة عيسى ، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني ، أنه خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام " رواه في شرح السنة (1) .

وقد أخبرنا الله أنَّ خليل الرحمن إبراهيم وابنه إسماعيل كان يبنيان البيت الحرام ويدعوان ، ومن دعائهما ما قصه علينا في سورة البقرة ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ - رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) [ البقرة : 127-129 ] .

وقد استجاب الله دعاء خليله إبراهيم وابنه نبيّ الله إسماعيل ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم هو تأويل تلك الاستجابة . ولا تزال التوراة الموجودة اليوم – على الرغم مما أصابها من تحريف – تحمل شيئاً من هذه البشارة ، فنجد فيها أنَّ الله استجاب دعاء إبراهيم في إسماعيل ، فقد ورد في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح السابع عشر فقرة (20) : " وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه ، ها أنا أباركه وأثمره ، وأكثره كثيراً جداً ، اثني عشر رئيساً يلد ، وأجعله أمّة عظيمة كبيرة " .

وهذا النصُّ ورد في التوراة السامرية بألفاظ قريبة جداً مما أثبتناه هنا ، والترجمة الحرفية للتوراة العبرانية لهذا النص : " وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه ، ها أنا أباركه وأكثره (( بمأد مأد )) (2). وقد ذكر ابن القيم أنَّ بعض نسخ التوراة القديمة أوردت النص كما أثبتناه هنا .

ودلالة هذه البشارة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من وجوه :

الأول : أنَّ الأمة العظيمة عند الله لا بدَّ أن تكون مسلمة ، ولم توجد هذه الأمّة من نسل إسماعيل إلاّ بعد بعثة الرسول وانتشار المسلمين في المشارق والمغارب .

الثاني : النصّ العبراني (( مأد مأد )) صريح في اسم الرسول صلى الله عليه وسلم فالمترجمون ترجموه (( جداً جداً أو كثيراً كثيراً )) والصواب هو : محمد ، لأنها تلفظ بالعبراني (( مؤد مؤد )) واللفظ العبراني قريب من العربي .

الثالث : قوله : اثني عشر رئيساً يلد ، هذا موافق لأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سيلي أمر هذه الأمة اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش .

2- بشارة موسى :

لقد جاء بني إسرائيل الخبرُ اليقين الأميّ ، على يد نبي الله موسى منذ أمد بعيد ، جاءهم الخبر اليقين ببعثه ، وبصفاته ، ونهج رسالته ، وبخصائص ملته ، فهو النبي الأمي ، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحلُّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، يضع عن من يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم  ، فيرفعها عنهم النبيُّ الأمي حين يؤمنون به ، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم ، ويخرجون زكاة أموالهم ويؤمنون بآيات الله .. وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي ، ويعظمونه ويوقرونه وينصرونه ويؤيدونه ويتبعون النور الذي أنزل معه (( أولئك هم المفلحون )) .

قال تعالى : ( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [الأعراف : 156-157] .

بقية هذه البشارة في التوراة :

وقد بقي من هذه البشارة بقية في التوراة ، ففي سفر التثنية ، الإصحاح (18) فقرة 18-19 قال الله لموسى : " أقيم لهم [ أي لبني إسرائيل ] نبياً من وسط إخوتهم مثلك ، وأجعل كلامي في فمه ، فيكلمهم بكل ما أوصيه به ، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع كلامي الذي يتكلّم به باسمي أنا أطالبه " .

ودلالة هذه البشارة على رسولنا صلى الله عليه وسلم بيَّنه ، ذلك أنّه من بني إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل ، فجدُّهم هو إسحاق ، وإسماعيل وإسحاق أخوان ، ثم هو أوسط العرب نسباً ، وقوله : مثلك ، أي : صاحب شريعة مثل موسى ، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جعل الله كلامه في فمه حيث كان أميّاً لا يقرأ من الصحف ، ولكنَّ الله يوحي إليه كلامه ، فيحفظه ويرتله ، وهو الرسول المرسل إلى الناس كافة ، وبنو إسرائيل مطالبون باتباعه وترك شريعتهم لشريعته ، ومن لم يفعل فإنَّ الله معذبه (( ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه )) .

ومما يعرفنا أنَّ هذه البشارة هي بقية البشارة العظيمة التي أوحى الله بها إلى موسى ، وأخبرنا بها القرآن الكريم ، أن هذه البشارة وردت في موقف معين ، فعندما اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات الله أخذتهم الرجفة ، وذلك بسبب طلبهم رؤية الله جلَّ وعلا ، فدعا موسى ربَّه وتوسل إليه ، فبعثهم الله من بعد موتهم ، قال الله بعد توسل موسى ودعائه ( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ .. ) الآيات .

وإذا رجعت إلى التوراة في سفر الخروج تجد أنَّ هذه البشارة إنما أوحى الله بها إلى موسى بعد ذهابه لميقات الله ، وتتحدث التوراة عن شيء قريب من الرجفة (( وكل الشعب سمع الأصوات وصوت البوق ، ونظروا الشهب والجبل دخاناً ونظر كل القوم وتشردوا ووقفوا من بعد ..)) سفر الخروج ، الإصحاح (20) فقرة : 18 . (( وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق ، وصوت البوق والجبل يدخن ، ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد .. )) .

3- بشارة عيسى :

وأخبرنا الله – سبحانه – أن عيسى بشر برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) [الصف : 6] .

وأحمد من أسماء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت في صحيح البخاري عن جبير بن مطعم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنَّ لي أسماء ، أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب " (3) .

مثلان في التوراة والإنجيل :

ضرب الله في التوراة والإنجيل مثلين لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )[ الفتح : 29 ] .

--------------------------------

(1) مشكاة المصابيح للتبريزي : 3/127 وقال الشيخ ناصر الدين الألباني : حديث صحيح وانظره في صحيح موارد الظمآن للشيخ ناصر الدين الألباني : 1756 ، 2093 ، وانظره في سلسلة الصحيحة : 1546 ، 1925 .

(2) نبوة محمد من الشك إلى اليقين : ص250 ، محمد نبي الإسلام : ص3 .

(3) صحيح البخاري : 4896 ، وصحيح مسلم : 2354 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M