البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> الرسل والأنبياء >>

 

النظر في أحوال الأنبياء

إذا شئت أن تسبر غور إنسان ، وتتعرف على صدقه وأمانته ، فإنّك تنظر في قسمات وجهه ، وتحصي عليه أفعاله وأقواله ، وتراقب حركاته وسكناته ، والذين يستغلق عليك أن تصل في شأنهم إلى اليقين هم أولئك الذين لا تقابلهم إلا مقابلة سريعة ، أو أولئك الذين يخفون أنفسهم ، ويتكلفون في أقوالهم وأفعالهم فلا يظهرون على طبيعتهم .

والأنبياء والرسل كانوا يخالطون أقوامهم ، ويجالسونهم ويعاشرونهم ، ويعاملونهم في أمور شتى ، وبذلك يتسنى للناس أن يدرسوهم عن كثب ، ويتعرفوا إليهم عن قرب ، ولقد كانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته بالأمين ، وذلك لصدقه وأمانته ، وعندما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في مطلع الدعوة : " لو أخبرتكم أنّ وراء هذا الوادي خيلاً تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذباً " (1) .

وقد أرشد القرآن إلى هذا النوع من الاستدلال ( قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) [ يونس : 16 ] .

يقول لهم : لقد مكثت فيكم زمناً ليس باليسير قبل أن أخبركم بأنني نبي ، فكيف كانت سيرتي فيكم ؟ وكيف كان صدقي إيّاكم ؟ أفأترك الكذب على الناس ، وأكذب على ربّ الناس ، ( أفلا تعقلون ) ؟ ألا تعملون عقولكم لتتهديكم إلى الحق ؟! .

إن المعدن الجيد يدلّ على نفسه بنفسه ، والفاكهة الصالحة يدلُّ على صلاحها لونها وشكلها ورائحتها وطعمها ، والمصباح الرائع ضوؤه يهدي إليه ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء ) [ النور : 35 ] .

بعض الناس لم يحتج إلى برهان ودليل ليستدل بذلك على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنّ شخصه وحياته وسيرته هي أعظم دليل ، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق ، فإنّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دعاه لم يتردد . ونظر عبد الله بن سلام في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم نظرة واحدة ، ولكنَّها كانت كافية لتدلّه على أنّ هذا وجه صادق ليس بكاذب ، قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة ، وخرج عبد الله ابن سلام عالم اليهود مع الخارجين ينظر في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " فلما رأيت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب " (2) .

وخديجة التي عرفت الرسول زوجاً وخالطته عن قرب قبل أن تعرفه نبياً رسولاً ، لم تتردد في أنّ الله لن يخزيه أبداً ، ولن يصيبه ضير ، ذلك أنّ سنة الله في أمثال الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرّموا ويشّرفوا ، ولذلك قالت له عندما جاءها قائلاً : " لقد خشيت على نفسي " وذلك بعد أن فجأه الوحي في غار حراء قالت : " كلاّ والله لا يخزيك الله أبداً ، إنّك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق " (3) .

هرقل وأبو سفيان :

وقد أعمل هرقل ملك الروم عقله وفكره وعلمه بأحوال الرسل وصفاتهم ، فاهتدى إلى أنّ محمداً مرسل من ربّه ، ولكنه لم يؤمن ضنّاً بملكه .

أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأرض في عصره يدعوهم إلى الإسلام، وكان هرقل ملك الروم من هؤلاء الذين أرسل إليهم ، فلما جاءه كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من كان هناك من العرب ، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام ، وسألهم عن أحوال النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فسأل أبا سفيان ، وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه ، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الأخبار .

وإليك الحوار الذي جرى بينهما يحكيه أبو سفيان .

" كان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم ؟

قلت : هو فينا ذو نسب .

قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟

قلت : لا .

قال : فهل كان من آبائه مِن مَلِك ؟

قلت : لا .

قال : فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟

فقلت : بل ضعفاؤهم .

قال : أيزيدون أم ينقصون ؟

قلت : بل يزيدون .

قال : فهل يرتدّ أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه ؟

قلت : لا .

قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟

قلت : لا .

قال : فهل يغدر ؟

قلت : لا ، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها ، قال : ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة .

قال : فهل قاتلتموه ؟

قلت : نعم .

قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟

قلت : الحرب بيننا وبينه سجال ، ينال منّا وننال منه .

قال : فماذا يأمركم ؟

قلت : يقول : اعبدوا الله وحده ، ولا تشركوا به شيئاً ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق ، والعفاف والصلة .

فقال للترجمان :

قل له : سألتك عن نسبه ، فذكرت أنّه فيكم ذو نسب ، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها .

وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول ؟ فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت : رجل يأتسي بقول قيل قبله .

وسألتك هل كان من آبائه من ملك ؟ فذكرت أن لا ، قلت : فلو كان من آبائه من مَلكِ قلت : رجل يطلب ملك أبيه .

وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على الناس ، ويكذب على الله .

وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فذكرت أن ضعفاءَهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل ، وسألتك أيزيدون أم ينقصون ؟ فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتمَّ .

وسألتك أيرتد أحد سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب .

وسألتك هل يغدر ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر .

وسألتك بما يأمركم ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف .

فإن كان ما تقول حقّاً فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظنُّ أنّه منكم ، فلو أني أعلم أنّي أَخْلُصُ إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه " (4) .

زهدهم في المتاع الدنيوي :

ومما يدلُّ على صدق الرسل من خلال التأمل في سيرتهم ، أنَّ الرسل أزهد النّاس في متاع الدنيا وعرضها الزائل ، وبهرجها الكاذب ، لا يطالبون الناس الذين يدعونهم أجراً ولا مالاً ، فهم يبذلون لهم الخير لا ينتظرون منهم جزاءً ولا شكوراً ، هذا أوّل الرسل يقول لقومه : ( وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ ) [ هود : 29 ] .

وهذا آخر الرسل يأمره الله بمثل ذلك : ( قل ما أسألكم عليه من أجرٍ إلاَّ من شاء أن يتَّخذ إلى ربه سبيلاً ) [ الفرقان : 57 ] .

وقص الله علينا في سورة الشعراء طرفاً من قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وكلّ منهم يقول لقومه : ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [الشعراء : 109 ، 127 ، 145 ، 164 ، 180 ] .

--------------------------------

(1) رواه البخاري : (4770) ، ومسلم : (208) (355) من حديث ابن عباس . وانظر (( جامع الأصول )) : 2/286-288 (739) .

(2) رواه أحمد في مسنده ، والترمذي في سننه وقال : حديث صحيح وابن ماجة في سننه ( البداية والنهاية : 3/ 210 ) .

(3) صحيح البخاري : كتاب بدء الوحي ، حديث رقم (3) .

(4) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب بدء الوحي حديث رقم : 7 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M