البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> أشراط الساعة >>

 

فائدة البحث في الأشراط والمغيبات المستقبلة

قد يقول قائل  : لقد أتعبتم أنفسكم في النظر في أمور فائدتها قليلة ، والأولى بكم أن تهتموا بأمور المسلمين ومشكلاتهم ، بدلاً من قضاء الأوقات الطوال في البحث عما يجري في مقبل الأزمان من الوقائع والحادثات . وقالوا : إنكم تهربون من الواقع الذي تعيشون فيه إلى عالم آخر تأملون أن تعيشوا فيه ، أو تخشوا أن يأتي عليكم ، وهذا هروب من مواجهة الحقائق والصعاب .

ونحن نقول لهم : ليس لنا خيار في دراسة الغيوب المستقبلة أو إهمالها ، فالأمر ليس لنا ، فالاطلاع على هذه الغيوب والتصديق بها من صميم الدين الذي جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم ، أخبر ببعض منها القرآن ، وبعضها جاءت به السنة النبوية ، وعِلِم ذلك كله الصحابة ، وشغلوا به أنفسهم ، واهتموا به اهتماماً كبيراً ، وكان الإيمان بالغيب أول صفة مدح الله بها المتقين المهتدين الفائزين ( الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) [البقرة : 1-3]  صحيح أن كثيراً من المسلمين شغلوا أنفسهم بالأخبار الغيبية التي لم يقم عليها دليل من الكتاب والسنة ، وأغرق في ذلك بعض الذين نسبوا إلى العلم ، ولكن الاشتغال بالنصوص الصحيحة هو جزء من هذا الدين الذي أنزله العليم الخبير .

ويمكننا أن نلوم الذين قعد بهم العمل من المسلمين انتظاراً لحدوث الواقعات التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم كالذين يتركون الجهاد انتظاراً لخروج المهدي ، ولكن هذا خطأ يحتاج إلى تقويم ، ولا يوجب ترك النصوص الصحيحة ، فإن سلفنا الصالح مع إيمانهم بالغيب الصادق ، لم يقعدوا عن الجهاد ، ولم يتركوا العمل .

ويمكن أن يوجه لوم شديد للذين ينزلون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الغيوب على غير وقائعها ، فيحملون النصوص ما لا تحتمل ، ويدعون دعاوي يضلون بها العباد ، كالذين ادعوا المهدية على مدار التاريخ ، إلا أن هذا خطأ هؤلاء ، والخطأ يقوَّم ، ولا يدفعنا هذا الخطأ إلى إنكار ما صحت به النصوص ، فالحق حق ، والباطل باطل ، ولا ندفع الباطل بإنكار الحق .

والذين ينكرون علينا اشتغالنا بهذه النصوص الصحيحة في هذا الجانب نُوجِّه أنظارهم إلى الجهود الهائلة التي يبذلها العلماء المعاصرون للكشف عن الغيب المجهول في الماضي البعيد ، والغيب المجهول في الحادثات المقبلة ، والغيب المجهول في الفضاء الذي يحيط بنا ، ولذلك نراهم يبحثون في آثار الماضين ، وما أبقوه من كتابات وصنائع وخرائب ، ونراهم يهتمون بما يقوله المتنبئون والكهان والعرافون ، وما يقوله هؤلاء كذب لا تكاد تجد فيه للحقيقة مكان ، ونراهم يصنعون المناظر المكبرة ، والمراصد الهائلة ، بل ويرسلون الأقمار الصناعية لريادة الفضاء ، كي يعلموا ما لا يعلمون ، فإذا كان هذا هو حال البشر ، يرغبون دائماً في التعرف على ما لا يعرفون ، ومعرفة الماضي والآتي ، ومعرفة الكون من حولهم ، أفلا يكون الإطلاع على حقائق الأمور من الجهة التي لا تكذب أبداً أولى وأحرى!! ‍‍‍إن المعلومات التي جاءت بها النصوص في هذا المجال معلومات قيمة لا تقدر بثمن ، ولكن البشرية تكابر كثيراً عندما ترفض الأخذ بخبر الوحي الصادق ، وتخسر كثيراً عندما تعرض عن هذه العلوم الطيبة ، ثم إن أقواماً يريدوننا أن نبتعد عن دارسة هذا المجال من خلال نصوص الوحي ، بينما – هم – يلهثون وراء الأخبار التي يأتيهم بها علماء الغرب في هذا المجال ، وإن كان فيها خلط كثير ، وكذب كثير .

ويمكننا أن نوجز الفوائد التي نحصل عليها من وراء دراسة الأخبار التي تحدث بأشراط الساعة والمغيبات المستقبلة في الأمور التالية :

1- الإيمان بهذه الأخبار – إذا تحققنا صدقها – هو من الإيمان بالله ، والإيمان برسوله، إذ كيف نؤمن بالله ورسوله ثم لا نصدق بخبرهما !! ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) [البقرة : 2-3] .

2- وقوع تلك المغيبات على النحو الذي حدثت به الأخبار يثبت الإيمان ويقويه ، فالمسلمون في كل عصر يشاهدون وقوع أحداث مطابقة لما أخبرت به النصوص الصادقة، فقد شاهد الصحابة انتصار الروم على الفرس ، ثم انتصر المسلمون على الفرس والروم ، وظهر الإسلام على جميع الأديان ، وشاهدوا فرقة الأمة في العام الذي حدده الرسول صلى الله عليه وسلم ، وشاهدوا كثيراً من الأحداث على النحو الذي أخبرت به النصوص ، وكذلك الحال في كل عصر ، يشاهد المسلمون وقائع وأحداثاً جاءت بها الأخبار ، ولا شك أن هذا له أثر كبير في تثبيت المؤمن على إيمانه ، وقد يكون ذلك مدخلاً لدعوة الآخرين إلى هذا الحق الذي جاءنا من ربنا .

3- تثبيت الإيمان بيوم القيامة ، فالقيامة وأهوالها من الغيب الذي أخبرنا به الله ورسوله ، والإيمان به إحدى دعائم الإيمان ، ووقوع الوقائع في الدنيا على النحو الذي جاءت به النصوص دليل واضح بَيِّن على صدق كل الأخبار ومنها أخبار الساعة . فالكل من عند الله تبارك وتعالى .

4- بعث الله رسوله دالاً على الخير محذراً من الشر ، وقد دل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على المنهج الأمثل الذي ينبغي أن يسلكـوه في الوقائع التي وقعت في عصره .

وفي إخباره بالمغيبات المقبلة توجيه للذين جاؤوا من بعده من أمته كيف يتصرفون حيال الأحداث التي قد يخفى عليهم وجه الحق فيها ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فنزلنا منزلاً ، فمنا من يصلح خباءه ، ومنا من يَنْتَضِل ، ومنا من هو في جشره ، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها ، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها ، وتجيء فتنة ، فَيُرقِّق بعضها بعضاً ، فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ثم تنكشف ، وتجيء الفتنة ، فيقول المؤمن : هذه ، هذه ، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ، فلتأته منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ، ومن بايع إماماً ، فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه ، فليطعه ما استطاع ، فإن جاء الآخر ينازعه ، فاضربوا عنق الآخر " رواه مسلم والسياق له والنسائي وابن ماجة وأحمد (1) .

ومن هذه التوجيهات التي كان لها أثر كبير في توجيه المسلمين إلى الحق تبشيره عثمان رضي الله عنه بالجنة على بلوى تصيبه ، وإخباره بأن عماراً تقتله الفئة الباغية ، وأمره أبا ذر بأن يعتزل الفتنة ، وأن لا يقاتل ولو قتل . ويمكن أن يستفاد هذا المعنى من حديث حذيفة حيث كان يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يدركه ، بينما أصحابه كانوا يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير ، ومن هذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين عن أخذ شيء من جبل الذهب الذي ينحسر عنه الفرات في آخر الزمان ، وإخباره عن حقيقة الدجال ، وبيان ما يأتي به من الشبهات ، وغير ذلك من الكائنات التي يبصر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بالتصرف الأمثل حيالها .

5- قد تمر بالمسلمين وقائع في مقبل الأيام تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها ، ولو ترك المسلمون إلى اجتهادهم – فإنهم يقد يختلفون ، وقد لا يهتدون إلى الصواب ، بل قد يكون بيان الحكم الشرعي في تلك الأحداث واجب لا بدَّ منه ، وعدم البيان يكون نقصاً تنزه الشريعة عنه . فمن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الدجال يمكن في الأرض أربعين يوماً ، يوم من أيامه كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كأسبوع ، وبقية أيامه كأيامنا ، وقد سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن تلك الأيام الطويلة أتكفي في الواحد منها صلاة يوم ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : لا ، اقدروا له قدره ، ولو وكل العباد إلى اجتهادهم لاقتصروا على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غير هذه الأيام . وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن عيسى بعد نزوله لا يقبل الجزية من اليهود والنصارى ، ولا يقبل منهم إلا الإيمان ، وهذا البيان من الرسول صلى الله عليه وسلم ضروري ، لأن عيسى يحكم بهذا الشرع ، وهذا الشرع فيه قبول الجزية ممن بذلها إلى حين نزول عيسى ابن مريم وحين ذاك توضع الجزية ، ويقتل كل من رفض الإيمان ، ولو بذل الجزية .

6- التطلع إلى ما يحدث في المستقبل أمر فطري فالإنسان يجد في نفسه رغبة شديدة إلى معرفة الوقائع والكائنات التي قد تحدث للجنس الإنساني ، أو تحدث للأمة التي هو منها ، أو قد تحدث له ، ولذلك فإن الزعماء والرؤساء ، بل والأفراد يلجؤون في معرفة ذلك إلى السحرة والكهان والمنجمين ، فجاءهم الله بالحق الذي يغني ويكفي ويشفي في هذا الجانب .

وقد تعرض ابن خلدون لهذه الفائدة في مقدمة تاريخه ، فقال : " اعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوُّف إلى عواقب أمورهم ، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموتٍ وخيرٍ وشر ، سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا ، ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها ، والتطلع إلى هذا طبيعة للبشر مجبولون عليها . ولذلك نجد الكثير من الناس يتشوفون إلى الوقوف على ذلك في المنام .

والأخبار من الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسوقة معروفة ، ولقد نجد في المدن صنفاً من الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه ، فينتصبون لهم في الطرقات والدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه ، فتغدو عليهم وتروح نسوان المدينة وصبيانها ، وكثير من ضعفاء العقول ، يستكشفون عواقب أمورهم ، في الكسب والجاه والمعاشرة والعداوة وأمثال ذلك ، ما بين خط في الرمل ويسمونه المنجم ، وطرق بالحصى والحبوب ويسمونه الحاسب ، ونظر في المرايا والمياه ويسمونه ضارب المندل ، وهو من المنكرات الفاشية في الأمصار ، لما تقرر في الشريعة من ذلك ، وأن البشر محجوبون عن الغيب إلا من أطلعه الله عليه من عنده في نومٍ أو ولاية .

وأكثر ما يعتني بذلك ويتطلع إليه الأمراء والملوك في آماد دولتهم ، ولذلك انصرفت العناية من أهل العلم إليه . وكل أمةٍ من الأمم يوجد لهم كلامٌ من كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون أنفسهم بها ، وما يحدث لهم من الحرب والملاحم ، ومدة بقاء الدولة ، وعدد الملوك فيها ، والتعرض لأسمائهم ، ويسمى مثل ذلك الحدثان .

وكان في العرب الكهان والعرافون يرجعون إليهم في ذلك ، وقد أخبروا بما سيكون للعرب من الملك والدولة ، كما وقع لشق ، وسطيح في تأويل رؤيا ربيعة ابن نصر من ملوك اليمن ، أخبرهم بِمُلْكِ الحبشة بلادهم ، ثم رجوعها إليهم ، ثم ظهور الملك والدولة للعرب من بعد ذلك .

وكذا تأويل سطيح لرؤيا الموبذان حين بعث إليه كسرى بها مع عبد المسيح ، وأخبرهم بظهور دولة العرب . وكذا كان في جيل البربر كهان من أشهرهم موسى بن صالح من بني يِفْرَنْ ، ويقال من غمرة ، وله كلمات حدثانية على طريقة الشعر برطانتهم، وفيها حدثان كثير ، ومعظمه فيما يكون لزناتة من الملك والدولة بالمغرب ، وهي متداولة بين أهل الجبل ، وهم يزعمون تارة أنه ولي ، وتارة أنه كاهن ، وقد يزعم بعض مزاعمهم أنه كان نبياً ، لأن تاريخه عندهم قبل الهجرة بكثير . والله أعلم " (2) .

--------------------------------

(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة : حديث رقم (241) .

(2) المقدمة لابن خلدون : ص 587-588 .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M