البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> أشراط الساعة >>

 

الفِتن

المطلب الأول

التحذير من الفتن

الإنسان الصالح هو المسلم المستقيم على الدين الذي أنزله تبارك وتعالى ، والأمة الصالحة هي الأمة التي تأخذ هذا الدين وتستقيم عليه ، ثم إن الفرد المسلم ، والأمة المسلمة كلهم يبتلى بشتى أنواع البلاء ، وقد يثور البلاء من داخل الأمة بسبب الأهواء والفرقة والخصام ، وقد يتمثل في عدو حاقد على هذه الأمة يجتاحها ويستذلها ، وقد يصل البلاء النابع من الفرقة والخصام إلى حد أن يسل بعضها على بعض السيوف ، فتزهق الأرواح ، وتسيل الدماء ، وتنتهك الحرمات ، وتسلب الأموال .

وقد أطلع الله رسوله عليه السلام على كثير من البلايا والفتن التي ستبتلى بها الأمة الإسلامية في مقبل الزمان ، ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أطال في تحديث الصحابة عن تلك الفتن ، وبيان المخرج منها ، يقول أبو زيد عمرو بن أخطب ، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ، فنزل فصلى ، ثم صعد المنبر ، فخطبنا حتى حضرت العصر ، ثم صعد المنبر ، فخطبنا حتى غربت الشمس ، فأخبرنا بما هو كائن ، فأعْلَمُنا أحفَظُنا " (1) .

ولعل هذا المقام هو الذي ذكره حذيفة بن اليمان ، فقد ثبت عنه أنه قال : " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً ، ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة، إلا حدث به ، حفظه من حفظه ، ونسيه من نسيه ، قد علمه أصحابي هؤلاء ، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره ، كما يذكر الرجل وجه الرجل قد غاب عنه ، ثم إذا رآه عرفه " (2) .

وبعض هذه الفتن شديدة مظلمة ومنها خفيف ، ففي حديث حذيفة في صحيح مسلم عن الفتن : " منهن ( أي من الفتن ) ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً ، ومنهن فتن كرياح الصيف ، منها صغار ، ومنها كبار " (3) .

ويبلغ من شدة هذه الفتن أن تخرج المسلم عن دينه ، ففي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح المرء مؤمناً ، ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع أحدكم دينه بعرض قليل من الدنيا " رواه أحمد ومسلم والترمذي (4) .

وفي حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ، ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً ، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا " أخرجه الترمذي في سننه ، وقال : حديث حسن صحيح (5) .

ويبلغ ثقل هذه الفتن وشدتها على المسلم أن يتمنى الموت ويرجوه كي يتخلص من البلاء ، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ، فيقول : يا ليتني كنت مكانه " رواه البخاري ومسلم (6) ، وفي رواية عند مسلم : " والذي نفسي بيده ، لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ، فيقول : يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر ، وليس به الدَّين إلا البلاء " (7) .

وإن من أعظم الأسباب التي توقع في الفتن والبلاء قلة العلم ، وكثرة الجهل ، وترك الإسلام ، وارتكاب الذنوب والمعاصي ، وانتهاك الحرمات ، فعن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل ، ويرفع العلم ، ويكثر الهرج ، والهرج : القتل " أخرجه البخاري ومسلم (8) .

وعن أنس ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويكثر الجهل ، ويكثر الزنا ، ويكثر شرب الخمر ، ويقل الرجال ، ويكثر النساء ، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد " وفي رواية : " يقل العلم ، ويظهر الجهل " متفق عليه (9) .

والسبب في قلة الرجال وكثرة النساء كما جاء ذلك مبنياً في بعض الأحاديث – الحروب التي تقع في ذلك الزمان ، وقد كثر في الأحاديث إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة القتل في آخر الزمان ، وليس المراد به قتل المسلمين للكفار ، وإنما هو قتل بعض المسلمين لبعض ، وفي كثير من الأحيان لا تعرف أسباب ذلك القتل ولا أهدافه ، ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن بين يدي الساعة الهرج ، قالوا : وما الهرج ؟ قال : القتل ، إنه ليس بقتلكم المشركين ، ولكن قتل بعضكم بعضاً ، [ حتى يقتل الرجل جاره ، ويقتل أخاه ، ويقتل عمه ، ويقتل ابن عمه ]، قالوا : ومعنا عقولنا يومئذ ؟ قال : إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان ، ويخلف له هباء من الناس ؟ يحسب أكثرهم أنهم على شيء ، وليسوا على شيء " (10) .

وروى أبو هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والذي نفسي بيده ، ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتَل ، ولا يدري المقتول على أي شيء قُتِل " (11) .

المطلب الثاني

نماذج من الفتن

أولاً : مقتل الخليفة الراشد عثمان وافتراق الأمة

من أعظم الفتن  التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الفتنة التي أدت إلى مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان وفرقة الأمة الإسلامية ، ومن ثم جعل بأسها بينها ، فقد سل بعضها السيوف على بعض ، وسالت الدماء الطاهرة الطيبة من الفريقين المسلمين المتخاصمين ، وأصدق وصف لتلك الفتنة أنها كانت تموج كموج البحر .

ففي حديث حذيفة أنه كان جالساً عند عمر بن الخطاب ، إذ قال : " أيكم يحفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة ؟ قال حذيفة : فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجارِهِ يكفرها الصلاة والصدقة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال ليس عن هذا أسألك ، ولكن التي تموج كموج البحر ، فقال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها باباً مغلقاً ، قال عمر : أيكسر أم يفتح ؟ قال : بل يكسر ، قال عمر : إذاً لا يغلق أبداً ، قلت : أجل . قلنا لحذيفة : أكان عمر يعلم  الباب : قال : نعم ، كما أعلم أن دون غد ليلة ، وذلك أني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط ، فهبنا أن نسأله عن الباب، فأمرنا مسروقاً فسأله ، فقال : من الباب ؟ قال : عمر " (12) .

وقد حدد الرسول صلى الله عليه وسلم العام الذي تقع فيه الفتنة ، ففي حديث عبد الله ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تدور رحى الإسلام بعد خمس وثلاثين ، فإن يهلكوا فسبيل من هلك ، وإن يقم لهم دينهم – يقم لهم سبعين عاماً ، قلت : ( وفي رواية قال عمر : يا نبي الله ) : مما بقي ، أو مما مضى ؟ قال : مما مضى " (13) . وقد سماها رحى الإسلام تشبيهاً للحرب بالرحى ، لأنها تطحن المقاتلين ، كما يطحن الرحى الحب ، وأشار الرسول صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث إلى مدة حكم بني أمية ، فقد كانت مدته سبعين عاماً .

وقد صرح في بعض الروايات بما يكون من حال الأمة في تلك الفتنة ، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان ، وتكون بينهما مقتلة عظيمة ، ودعواهما واحدة " (14) .

ثانياً : فتنة الخوارج

من آثار الفتن الفرقة والاختلاف ، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن خروج أقوام في آخر الزمان ، لهم دور كبير في فرقة الأمة الإسلامية ، إذ يدعي هؤلاء العلم ، ويجهدون أنفسهم في العبادة ، ويدعون إلى كتاب الله ، ولكنهم جهلاء ، أحكامهم جائرة ، وآراؤهم قاصرة ، يسفكون دماء مخالفيهم من المسلمين ، ويجهلون الصحابة والعلماء ، ففي الحديث المتفق عليه عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من قول خير البرية ، يقرؤون القرآن ، لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة " (15) .

وفي سنن أبي داود وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم ومسند أحمد عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ، قوم يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل ، يقرؤون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، لا يرجعون حتى يرتد السهم إلى فُوقه ، هم شرار الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، يدعون إلى كتاب الله ، وليسوا منه في شيء ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم ، سيماهم التحالق " (16) .

وقد خرجت هذه الفرقة في عهد الصحابة ، وكفرت الصحابة ، واستباحت دماء المسلمين ، وأحدثت في الأمة بلاء كبيراً .

المطلب الثالث

كيفية الخلاص من الفتن

اجتهد كثير من الصحابة في التعرف على الفتن التي ستعصف بالأمة وتبين طريق النجاة والخلاص منها ، ومن هؤلاء بل في مقدمتهم حذيفة بن اليمان فقـد صح عنه أنه قال : " إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة ، فيما بيني وبين الساعة " (17) .

وقد كان حذيفة يكثر من سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفتن حتى لا يقع فيها ، ففي صحيح البخاري عن حذيفة قال : " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : نعم ، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفيه دخن ، قلت : ما دخنه ؟ قال : قوم يهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر ، قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : نعم ، دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم قذفوه فيها . قلت : يا رسول الله : صفهم لنا. قال : هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا . قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " (18) .

وفي حديث العرباض بن سارية أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتمسك بالإسلام، وطاعة الإمام ، والتزام سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين المهديين من بعده ، فقد روى عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية يقول : " وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقلنا : يا رسول الله ، إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا ؟ قال : " تركتكم على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ، ومن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وعليكم بالطاعة ، وإن عبداً حبشياً ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف ، حيثما قيد ينقاد " (19) .

كيف يتصرف المسلم في الحروب التي تثور بين المسلمين :

أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم أمته إلى كيفية التصرف في مثل هذه الفتن التي تثور بين المسلمين ، حيث يخفى الحق ، وتضطرب الأمور ، فقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اجتناب الصراع والقتال في مثل هذه الحال ، والاعتزال في مكان ناء ، يرعى الرجل الغنم في قمم الجبال ، أو يجاهد الأعداء على حدود الدولة المسلمة ، فإن وصلت إليه سيوف المتحاربين ، فقد أمر بأن يمتنع عن الدفاع عن نفسه ، ولو كان في هذا هلاكه ، فقد روى لنا أبو بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها ستكون فتن ، ألا ثَمَّ ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من الماشي فيها ، والماشي خير من الساعي إليها ، ألا فإذا نزلت أو وقعت ، فمن كان له إبل فليلحق بإبله ، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه . قال : فقال رجل : يا رسول الله ، أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض ؟ قال : يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ، ثم لينج إن استطاع النجاء ، اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ فقال رجل : يا رسول الله ، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين ، أو إلى إحدى الفئتين ؟ فضربني رجل بسيفه ، أو يجيء سهم فيقتلني ؟ قال : يبوء بإثمه وإثمك ، ويكون من أصحاب النار " (20) .

وعن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن " رواه البخاري (21) .

وفي حديث أبي هريرة عند الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم ، أنجى الناس منها صاحب شاهقة ، يأكل من رسل غنمه، أو رجل من وراء الدروب ، آخذ بعنان فرسه ، يأكل من فيء رمحه " (22) .

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر كيف يتصرف في الفتنة ، فقال له : " أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء (23) ، كيف تصنع ؟ قال : اقعد في بيتك ، وأغلق عليك بابك ، قال: فإن لم أترك ؟ قال : فأت من كنت معه ، فكن فيهم . قال : فآخذ سلاحي ؟ قال : إذاً تشاركهم فيما هم فيه ، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق من طرف ردائك على وجهك ، كي يبوء بإثمه وإثمك ، ويكون من أصحاب النار " (24) .

وقد احتج بالأحاديث التي سقناها وما أشبهها من لم ير القتال في الفتنة من الصحابة، " وهم كل من ترك القتال مع علي بن أبي طالب في حروبه ، كسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، ومحمد بن مسلمة ، وأبي بكرة ، وغيرهم ، وقالوا : يجب الكف حتى لو أراد أحد قتله لم يدفعه عن نفسه ، ومنهم من قال : لا يدخل في الفتنة ، فإن أراد أحد قتله دفع عن نفسه ، وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين ، وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضعف على القتال، أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق " (25) .

وقال الطبري : " الفتنة أصلها الابتلاء ، وإنكار المنكر واجب على من قدر عليه ، فمن أعان المحق أصاب ، ومن أعان المخطئ أخطأ ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها " (26) .

ولا شك أن تبين الحق والصواب في مثل هذه الظروف التي تقع فيها الفتن ، وتظهر فيها الأهواء صعب جداً ، والأقرب إلى السلامة هو البعد والاعتزال ، كيلا يصيب المسلمُ دماً حراماً ، ولا يؤذي مسلماً ، والله أعلم بالصواب .

المطلب الرابع

بؤرة الفتن ومصدرها

أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهة التي تهب منها رياح الفتن على الديار الإسلامية ، ففي صحيحي البخاري ومسلم وموطأ مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأس الكفر نحو المشرق ، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر ، والسكينة في أهل الغنم " (27) .

وعن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام إلى جنب المنبر ، فقال : " الفتنة هاهنا ، من حيث يطلع قرن الشيطان ، أو قال : قرن الشمس " . رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم عن عائشة : " رأس الكفر هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان " (28) ، وفي حديث آخر عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ، قالوا يا رسول الله : وفي نجدنا ؟ فأظنه قال في الثالثة : هناك الزلازل والفتن ، وبها يطلع قرن الشيطان " (29) .

وأصل النجد ما ارتفع من الأرض ، وقال الخطابي : نجد من جهة المشرق ، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ، ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة ، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض ، وهو خلاف الغور ، فإنه ما انخفض منها ، وتهامة كلها من الغور ، ومكة من تهامة (30) .

ولا شك أن العراق في جهة المشرق ، وأنها تعد بالنسبة للمدينة نجداً ، وهذا ما فقهه سال بن عبد الله بن عمر ، فعندما كان أهل العراق يرتكبون العظائم ويسألون عن التوافه من الأمور ، قال لهم سالم : " يا أهل العراق ، ما أسألكم عن الصغيرة ، وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الفتنة تجيء من هاهنا " وأومأ بيده نحو المشرق : " من حيث يطلع قرنا الشيطان " ، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض (31) .

ومن استقرأ التاريخ علم أن الفتن كانت تهب على الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي من جهة المشرق ، فمنها ثارت الفتنة التي أدت إلى مقتل الخليفة الراشد عثمان ، ومنها خرجت فرقة الحرورية المارقة : الخوارج ، وبقيت رياح الخوارج تعصف بالأمة في العهد الأموي ، وبها قامت ثورة الزنج في عام 255هـ بالبصرة ، وفي عام 278هـ انبعثت منها حركة القرامطة ، ومن اطلع على ما أحدثه الزنج والقرامطة في الأمة الإسلامية يذهل مما ارتكبوه من فظائع .

وليس المشرق قصراً على العراق ، فمن الشرق هبت رياح التتار ، وسيبقى الأمر كذلك إلى أن تأتي رايات الدجال ، من خراسان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم .

ولا تعارضُ هذه الأحاديث – التي تحدد البؤرة التي تنبعث منها الفتن على الأمة الإسلامية – حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عنه أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، قال : " أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة ، فقال : هل ترون ما أرى ؟ قالوا : لا . قال : فإني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر " (32) رواه البخاري (33) .

يقول ابن حجر في شرح الحديث : " اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله عنه كان بها ، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك ، فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب مقتل عثمان ، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين ، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شيء من ذلك ، أو عن شيء تولد عنه ، ثم إن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ، ثم عليه بتوليه لهم ، وأول ما نشأ ذلك من العراق ، وهي من جهة المشرق ، فلا منافاة بين حديث الباب ، وبين الحديث الآتي أن الفتنة من جهة المشرق " (34) .

--------------------------------

(1) رواه مسلم في كتاب الفتن ، باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة ، (4/2217) ورقمه : (2892) .

(2) المصدر السابق .

(3) صحيح مسلم ، كتاب الفتن ، باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة : (4/2216) ورقمه : (2891) .

(4) صحيح الجامع : (3/4) .

(5) جامع الأصول : (10/383) .

(6) رواه البخاري ، كتاب الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور ، فتح الباري : (13/75) ورواه مسلم كتاب الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل .. (4/2231) .

(7) صحيح مسلم ، في الكتاب والباب الذي سبق ذكره .

(8) جامع الأصول : (11/408) ورقمه (7924) .

(9) مشكاة المصابيح : 3/21 .

(10) رواه أحمد بإسناد صحيح ( انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ) للشيخ ناصر الدين الألباني : (4/248) .

(11) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (2/2231) ، ورقمه : (2908) .

(12) رواه البخاري ، كتاب الفتن ، باب الفتنة التي تموج كموج البحر ، فتح الباري : (13/48) . ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الفتن ، باب الفتنة التي تموج كموج البحر ، (4/2218) واللفظ للبخاري .

(13) حديث صحيح ، أخرجه أبو داود ، والطحاوي في مشكل الآثار ، والحاكم ، وأحمد وغيرهم ، وصحح الحاكم ، ووافقه الذهبي ، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ ناصر الدين الألباني ، (2/703) ، حديث رقم (976) .

(14) رواه البخاري ، كتاب المناقب ، حديث رقم (3608 ، 3609) فتح الباري : (6/516) ورواه مسلم ، كتاب الفتنة ، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ، (4/2214) واللفظ لمسلم .

(15) صحيح الجامع : (3/213) .

(16) صحيح الجامع : (3/217) .

(17) صحيح مسلم كتاب الفتن ، باب إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة : (4/2216) ورقمه (2891) .

(18) صحيح البخاري ، كتاب الفتن ، باب كيف يكون الأمر إذ لم تكن جماعة ، فتح الباري (13/35) .

(19) حديث صحيح ، أخرجه ابن ماجة ، والترمذي ، وأحمد ، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (2/647) ، حديث رقم (937) .

(20) رواه مسلم في كتاب الفتن ، باب نزول الفتن : (4/2212) ، ورقمه (2887) .

(21) رواه البخاري ، باب التعرب في الفتنة ، فتح الباري : (13/40) . ورقمه : (7088) .

(22) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/466) (4/642) .

(23) حجارة الزيت : موضع في المدينة المنورة .

(24) حديث صحيح ، رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم ، انظر صحيح الجامع الصغير : (6/258) .

(25) فتح الباري : (13/33) .

(26) فتح الباري : (13/31) .

(27) جامع الأصول : (10/61) ، ورقم الحديث : (7528) .

(28) رواه البخاري ، كتاب الفتن ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ( الفتنة من قبل المشرق ) فتح الباري : (13/45) ومسلم في صحيحه ، كتاب الفتن ، باب الفتن من المشرق (4/2229) حديث رقم (2905) .

(29) صحيح البخاري : كتاب الفتن ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : الفتنة من قبل المشرق ، فتح الباري : (13/45) .

(30) فتح الباري : (13/47) .

(31) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الفتن ، باب الفتنة من المشرق (4/2229) حديث رقم (2905) .

(32) أشار الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى كثرة الفتن وعمومها للناس لا تختص بها طائفة دون أخرى ، كما يعم المطر النواحي التي ينزل فيها ، ومن قرأ التاريخ وما جرى بعد مقتل عثمان ومقتل الحسين علـم صدق مقالة الرسول صلى الله عليه وسلم .

(33) رواه البخاري في كتاب الفتن ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " ويل للعرب من شرِّ قد اقترب " فتح الباري (13/11) ، ورواه مسلم (4/2211) واللفظ للبخاري .

(34) فتح الباري : (13/13) .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M