البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> أشراط الساعة >>

 

خروُج يأجوج وَمأجوج

ذكر الحق تبارك وتعالى في سورة الكهف أن ذا القرنين في تطوافه في الأرض بلغ بين السدين ، فوجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ، فاشتكوا له من الضرر الذي يلحق بهم من يأجوج ومأجوج ، وطلبوا منه أن يقيم بينهم وبينه سداً يمنع عنهم فسادهم، فاستجاب لطلبهم ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا - قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا - آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا - فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا - قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا - وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا )[ الكهف : 93-99 ] .

ويأجوج ومأجوج أمتان كثيرتا العدد ، وهما من ذرية آدم عليه السلام ثبت في الصحيحين : " أن الله تعالى يقول (1) : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك ، فيقول : ابعث بعث النار ، فيقول : وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسمعائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، فحينئذ يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، فقال : إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه ، يأجوج ومأجوج " ، قال ابن كثير بعد سياقه لهذا الحديث : " وقد حكى النووي في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج قد خلقوا من منى خرج من آدم ، فاختلط بالتراب فخلقوا من ذلك، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء " وقد رد ابن كثير هذا القول وأنكره قائلاً : " وهذا قول غريب جداً ، ثم لا دليل عليه لا من عقل ، ولا من نقل ، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة " (2) .

وقد أخبر الحق تبارك وتعالى أن السَّد الذي أقامه ذو القرنين مانعهم من الخروج : ( فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) [ الكهف : 97 ] ، وأخبر أن ذلك مستمر إلى آخر الزمان عندما يأتي وعد الله ، ويأذن لهم بالخروج ، وعند ذلك يدك السد، ويخرجون على الناس ( فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) [الكهف : 98] ، وعند ذلك يخرجون أفواجاً أفواجاُ كموج البحر ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) [ الكهف : 99 ] وذلك قرب قيام القيامة والنفخ في الصور ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) [ الكهف : 99 ] .

وقد أخبر الحق في موضع آخر عن نقبهم السد وخروجهم : ( حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا .. ) [ الأنبياء : 96-97 ] ، وهذا كائن في آخر الزمان ، وقوله : ( كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ) [ الأنبياء : 96 ] ، أي يسرعون في الإفساد في الأرض ، والحدب هو المرتفع في الأرض ، وهذه صفتهم حال خروجهم .

وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه فتح من ردم يأجوج ومأجوج في عصره فتحة صغيرة كالحلقة التي تكون من الإبهام والتي تليها ، ففي صحيح البخاري عن زينب بنت جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوماً فزعاً ، يقول : " لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وحلق بإصبعيه : الإبهام والتي تليها ، قالت زينب : فقلت : يا رسول الله ، أنهلك ، وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث " (3) .

وخروجهم يقع بعد نزول عيسى ابن مريم وهزيمته للدجال ، ففي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان في حديثه الطويل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه ( أي من الدجال ) ، فيمسح عن وجوههم ، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى ، إني قد أخرجت عباداً لي ، لا يدان لأحد بقتالهم (4) ، فحرز عبادي إلى الطور (5) ، ويبعث الله يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون ، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية (6) ، فيشربون ما فيها ، ويمر آخرهم ، فيقولون : لقد كان بهذه مرة ماء ، ويُحْصر نبي الله عيسى وأصحابه ، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم ، فَيَرْغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه ، فيرسل الله عليهم النّغَفَ في رقابهم (7) ، فيصبحون فرسى  (8) كموت نفس واحدة ، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض ، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (9) ونتنهم ، فَيَرْغَبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله ، فيرسل طيراً كأعناق البخت (10) ، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ، ثم يرسل الله مطراً ، لا يكن منه بيت مدر ولا وبر ، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة " (11) (12) .

وقال مسلم أيضاً بعد سياقه للحديث السابق : حدثنا علي بن حُجْر السعدي ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، والوليد بن مسلم ، قال ابن حُجْر : دخل حديث أحدهما في حديث الآخر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، بهذا الإسناد ( إسناد الحديث السابق ) نحو ما ذكرنا ، وزاد بعد قوله : " لقد كان بهذه مرة ماء " ، " ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر (13) ، وهو جبل بيت المقدس ، فيقولون : لقد قتلنا من في الأرض ، هلمَّ فلنقتل من في السماء ، فيرمون بنشابهم (14) إلى السماء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماً " .

وفي رواية ابن حجر : " فإني قد أنزلت عباداً لي ، لا يَدَيْ لأحد بقتالهم " (15) . والسبب في أنه لا يستطيع أحد الوقوف في وجههم لكثرتهم ، يدلك على كثرتهم أن المسلمين يوقدون من أسلحتهم بعد هلاكهم سبع سنين ، ففي سنن الترمذي بإسناد مسلم في الرواية السابقة : " سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ونشابهم وأسلحتهم وأترستهم سبع سنين " ، ورواه ابن ماجة في سننه (16) .

وهذه الأحاديث وأحاديث مشابهة كثيرة تدل على أن هذه الحضارة الهائلة التي اخترعت هذه القوة الهائلة من القنابل والصواريخ ستتلاشى وتزول ، وأغلب الظن أنها ستدمر نفسها بنفسها ، وأن البشرية ستعود مرة أخرى إلى القتال على الخيول واستعمال الرماح والقسي ونحو ذلك ، والله أعلم .

وفي السنن للترمذي وابن ماجة ، وصحيح ابن حبان ، ومستدرك الحاكم ، ومسند أحمد عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ، قال الذي عليهم : ارجعوا فسنحفره غداً ، فيعيده الله أشد ما كان ، حتى إذا بلغت مدتهم ، وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ، قال الذي عليهم : ارجعوا فسنحفره غداً إن شاء الله تعالى ، واستثنوا ، فيعودون إليه ، وهو كهيئته يوم تركوه ، فيحفرونه ، ويخرجون على الناس ، فينشفون الماء ، ويتحصن الناس منهم في حصونهم ، فيرمون بسهامهم إلى السماء ، فترجع عليها الدم الذي اجفظ (17) ، فيقولون : قهرنا أهل الأرض ، وعلونا أهل السماء ، فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم (18) ، فيقتلون بها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن ، وتشكر شكراً من لحومهم " (19) .

وفي سنن ابن ماجة ، وصحيح ابن حبان ، ومستدرك الحاكم ، ومسند أحمد عن أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يفتح يأجوج ومأجوج ، يخرجون على الناس كما قال الله عز وجل : ( مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ) [الأنبياء: 96] ، فيغشون الأرض ، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ، ويضمون إليهم مواشيهم ، ويشربون مياه الأرض ، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر ، فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبساً ، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر ، فيقول : قد كان هنا ماء مرة ، حتى إذا لم يبق من الناس إلا أحد في حصن أو مدينة ، قال قائلهم ، هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ، بقي أهل السماء . قال : ثم يهز أحدهم حربته ، ثم يرمي بها إلى السماء ، فترجع مخضبة دماً للبلاء والفتنة ، فبينما هم على ذلك ، إذ بعث الله دوداً في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقهم ، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حِسّ ، فيقول المسلمون : ألا رجل يشري نفسه ، فينظر ما فعل هذا العدو ، قال : فيتجرد منهم محتسباً لنفسه ، قد أظنها على أنه مقتول ، فينزل فيجدهم موتى ، بعضهم على بعض ، فينادي : يا معشر المسلمين : ألا ابشروا ، فإن الله قد كفاكم عدوكم ، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم ، ويسرحون مواشيهم ، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما تشكر عن شيء من النبات أصابته قط " (20) وهذه النصوص دالة على كثرة يأجوج ومأجوج بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجوههم .

--------------------------------

(1) في يوم القيامة .

(2) تفسير ابن كثير : 4/423 .

(3) صحيح البخاري ، كتاب الفتن ، باب يأجوج ومأجوج ، فتح الباري : (13/106) .

(4) أي : لا قدرة ولا طاقة .

(5) أي : اصعد بهم إلى الجبل ، كي يكونوا في حرز ومأمن .

(6) هي بحيرة كبيرة في فلسطين، ماؤها عذب .

(7) دود يكون في أنوف الإبل والغنم ، وفي الأحاديث الأخرى دود كأمثال النغف .

(8) جمع فريس ، كقتيل وقتلى وزناً ومعنى .

(9) دسمهم .

(10) هي جمال طوال الأعناق .

(11) المدر : الطين الصلب . والزلقة : المرآة .

(12) صحيح مسلم ، كتاب الفتن ، باب ذكر الدجال : (4/2254) ، ورقمه : (2937) .

(13) الخمر : هي الشجر الكبير المتلف الذي يخمر من تحته، أي : يستره ، وقد فسر في الحديث أنه بيت المقدس لكثرة شجره .

(14) النشاب : هي السهام .

(15) صحيح مسلم ، كتاب الفتن ، باب ذكر الدجال : (4/2555) ، ورقمه : (2937) .

(16) سلسلة الأحاديث الصحيحة : (4/579) ، ورقمه : (1940) .

(17) اجفظ : أي امتلأ ، أي ترجع ممتلئة دماً .

(18) المراد بأقفائهم أي في مؤخر رقابهم كما صرح به في الحديث الآخر الذي مر قبله .

(19) وإسناده صحيح ، قال فيه الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين " ، ووافقه الذهبي ، وقال الألباني : وهو كما قالا ، سلسلة الأحاديث الصحيحة : (4/313) ورقمه (1735) .

(20) سلسلة الأحاديث الصحيحة : (4/402) ، ورقم الحديث : (1793) ، وقد ذكر الشيخ ناصر الدين أن الحاكم قال فيه : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، إلا أن الشيخ لم يرتض هذا ، لأن ابن إسحاق أحد رواة الحديث ، لم يخرج له مسلم إلا في المتابعات ، فالحديث حسن .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M