البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> القيامة الصغرى >>

 

استقلال الرًُّوح عَن البَدن

" يرى فريق من أهل الكلام المبتدع المحدث من الجهمية والمعتزلة أن الروح جزء من أجزاء البدن ، أو صفة من صفاته ، كقول بعضهم : إنها النفس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم : إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن " (1) .

" والفلاسفة المشاؤون يقرون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن ، لكن يصفون النفس بصفات باطلة فيدعون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلاً ، والعقل عندهم مجرد عن المادة وعلائق المادة ، والمادة عندهم هي الجسم ، والعقل عندهم قائم بنفسه ، لا يوصف بحركة ولا سكون ، ولا يتجدد له أحوال البتة " (2) .

وقد تخبط هؤلاء وهؤلاء في مقالاتهم في الروح ، فأهل الكلام المبتدع المذموم الذين قالوا : إن الروح هي الحياة أو المزاج أو نفس البدن ، أنكر كثير منهم عذاب القبر ، فليس هناك روح تنعم أو تعذب بعد الموت في البرزخ . ورفضوا النصوص التي أثبتت ذلك .

والفلاسفة الذين زعموا أن الروح إذا فارقت البدن تصبح عقلاً ، قالوا : " إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال لا علوم ولا تصورات ، ولا سمع ولا بصر ، ولا إرادات ، ولا فرح ولا سرور ، ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث ، بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلاً وأبداً ، كما يزعمونه في العقل والنفس " (3) .

" وفريق من الفلاسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم ، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود ، فيقولون لا هي داخل البدن ولا خارجه ، ولا مباينة له ، ولا مداخلة له ، ولا متحركة ولا ساكنة ، ولا تصعد ولا تهبط ، ولا هي جسم ولا عرض " (4) .

والسبب الذي أوقع كلا الفريقين في هذا الخطأ أنهم اعتمدوا على عقولهم وما وضعوه من مقاييس في البحث عن أمر غيبي ، فالفريق الأول أنكر وجود روح مستقلة عن البدن ، وهذا تكذيب للنصوص المتواترة ، وإنكار لأمر معلوم من الدين بالضرورة ، والفلاسفة المشاؤون ومن سلك سبيلهم أثبتوا وجود الروح مستقلة عن البدن ، ولكن لما كانت هذه الروح " ليست من جنس هذا البدن ، ولا جنس العناصر والمولدات منها ، بل هي جنس آخر مخالف لهذه الأجناس " (5) صعب عليهم تعريفها وتصورها ، وضاقت تعبيراتهم ومقاييسهم عن حدها وتصورها .

وقد هدى الله الذين استجابوا لله ورسوله ، وآمنوا بما أخبرهم به ، فعلموا أن " الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس ، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ، ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد ، وسريان الدهن في الزيتون ، والنار في الفحم ، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف ، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكاً بهذه الأعضاء ، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة ، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها ، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح " (6) .

وقد سقنا في تضاعيف بحثنا كثيراً من الأدلة التي تثبت أن الروح شيء مستقل عن البدن ، كقوله تعالى : ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) [ الزمر : 42 ] ، وقوله : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) [ الأنفال : 50 ] ، وقوله : ( وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ) [ الأنعام : 93 ] ، وقوله : ( كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ - وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ - وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ - وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ - إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ) [القيامة : 26-30] ، وقولـه : ( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ) [الواقعة : 83-84] ، فالذي يمسك ، وتتوفاه الملائكة ، ويبلغ الحلقوم ، ويبلغ التراقي ، ويساق لا بد أن يكون شيئاً حقيقياً مخالفاً للجسد .

وقد سقنا الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ ملك الموت يقبض الروح ، وأنَّ الملائكة تضع تلك الروح في كفن من الجنة أو النار بحسب فلاحها أو فسادها ، وأنَّه يذهب بها في رحلة علوية سماوية ، حيث تفتح لها أبواب السماء إن كانت صالحة ، وتغلق دونها إن كانت طالحة ، وأنها تعاد إلى الجسد ، وتسأل وتعذب أو تنعم ، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ، وأرواح المؤمنين طير يعلق في شجر الجنة ، وأن الروح إذا قبض تبعه البصر ، إلى غير ذلك من النصوص الدالة في مجموعها دلالة قاطعة على أن الأرواح شيء آخر غير الأبدان ، وأنها تبقى بعد مفارقة البدن .

--------------------------------

(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية : (3/31) ، رسالة العقل والروح لابن تيمية ، انظر مجموعة الرسائل المنيرية : (2/21) .

(2) مجموعة الرسائل المنيرية ، رسالة العقل والروح : (2/21) .

(3) المصدر السابق : (2/22) .

(4) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : (3/31) .

(5) المصدر السابق : (3/32) .

(6) هذا تعريف ابن القيم للروح في كتابه : الروح ، وقد نقله عنه السفاريني في لوامع الأنوار البهية : (2/29) ، وعزاه إليه ، وذكره بنصه شارح الطحاوية من غير عزو ، انظر شارح الطحاوية : ص (433) ، وقد قال ابن القيم بعد سياقه لهذا التعريف : " وهذا القول هو الصواب في المسألة ، وهو الذي لا يصح غيره ، وكل الأقوال سواه باطلة ، وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة " ، وذكر مائة وخمسة عشر دليلاً فأجاد وأفاد وزيف كلام ابن سينا وابن حزم وأمثالهما .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M