البداية   :|:   من نحن   :|:   أعلن معنا   :|:   سجل الزوار   :|:   أرسل مشاركة   :|:   راسلنا

الصفحة الرئيسة >> القيامة الصغرى >>

 

الرُّوح مخلوقَة

ذهب فريق من الفلاسفة إلى أن الروح غير مخلوقة ، بل هي قديمة أزلية ، ولكنها ليست من ذات الرب ، ومقالتهم في الروح هي مقالتهم في العقول والنفوس الملكية ، ويزعم من دخل من أهل الملل فيهم أنها هي الملائكة .

وذهب صنف آخر من زنادقة هذه الأمة وضُلالها من المتكلمة والمتصوفة والمحدثة إلى أن الروح من ذات الله ، وهؤلاء – كما يقول ابن تيمية – أشرُّ قولاً من أولئك ، وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين : نصف لاهوت ، وهو روحه ، ونصف ناسوت ، وهو جسده : نصفه رب ونصفه عبد (1) .

والحق الذي لا ينبغي أن يخالف فيـه أن الروح مخلوقة مبتدعة ، ويدل على ذلك أمور :

1- الإجماع :

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائل أهل السنة ، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي ، الإمام المشهور ، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف ، أو من أعلمهم .

وكذلك أبو محمد بن قتيبة ، قال في ( كتاب اللقط ) لما تكلم على خلق الروح ، قال : النسم الأرواح ، قال : وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة ، أي : الروح.

وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة : سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة ، قال : هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب ، إلى أن قال : والروح من الأشياء المخلوقة ، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة .

وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتاباً كبيراً في ( الروح والنفس ) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئاً كثيراً ، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره ، والشيخ أبو يعقوب الخراز ، وأبو يعقوب النهرجوري ، والقاضي أبو يعلى ، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار ، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم ، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في " الرد على الزنادقة والجهمية " (2) .

2- الكتاب والسنة :

الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على خلقها كثيرة ، مثل قوله تعالى : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) [ الرعد : 16 ] ، [الزمر : 62 ] ، يقول شارح الطحاوية عقب استدلاله بهذه الآية : " فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما " (3) ومن ذلك قوله تعالى : ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) [ الإنسان : 1 ] ، وقوله جل وعلا لزكريا : ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ) [مريم : 9 ] ، والإنسان اسم لروح الإنسان وبدنه ، وخطاب الله لزكريا لروحه وبدنه .

يقول ابن تيمية : " الإنسان عبارة عن البدن والروح معاً ، بل هو بالروح أخص منه بالبدن ، وإنما البدن مطية للروح ، كما قال أبو الدرداء : إنما بدني مطيتي ، فإن رفقت بها بلغتني ، وإن لم أرفق بها لم تبلغني ، وقد رواه ابن منده وغيره عن ابن عباس ، قال : لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن ، فتقول الروح للبدن : أنت عملت السيئات ، فيقول البدن للروح : أنت أمرتني ، فيبعث الله ملكاً يقضي بينهما فيقول : إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى دخلا بستاناً ، فرأى المقعد فيه ثمراً معلقاً ، فقال للأعمى : إني أرى ثمراً ولكن لا أستطيع النهوض إليه ، وقال الأعمى : لكني أستطيع النهوض إليه ، ولكني لا أراه ، فقال المقعد : تعال فاحملني حتى أقطفه ، فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطع الثمرة ، قال المَلَكُ : فعلى أيهما العقوبة ؟ قالا : عليهما جميعاً ، قال : فكذلك أنتما " (4) .

3- ذكرنا في بحثنا هذا كثيراً من النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأرواح تقبض ، وتوضع في كفن وحنوط تأتي بهما الملائكة ، ويصعد بها ، وتنعم وتعذب ، وتمسك في النوم ، وترسل ، وكل هذا شأن المخلوق المحدث .

4- لو لم تكن مخلوقة مربوبة لما أقرت بالربوبية ، وقد قال الله للأرواح حين أخذ الميثاق على العباد ، وهم في عالم الذرّ ، ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، وذلك ما قرره الحق في قوله : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ... ) [ الأعراف : 172 ] ، وما دام هو ربهم فإنهم مربوبون مخلوقون .

5- لو لم تكن الأرواح مخلوقة فإن النصارى لا لوم عليهم في عبادتهم عيسى ، ولا في قولهم : إنه ابن الله ، أو هو الله .

6- لو كانت الروح غير مخلوقة فإنها لا تدخل النار ولا تعذب ، ولا تحجب عن الله، ولا تغيب عن البدن ، ولا يملكها ملك الموت ، ولما كانت صورة توصف ، ولم تحاسب ولم تعذب ، ولم  تتعبد ولم تخف ، ولم ترج ، ولأن أرواح المؤمنين تتلألأ ، وأرواح الكفار سود مثل الفحم (5) .

--------------------------------

(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : (4/222) .

(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : (4/216) .

(3) شرح الطحاوية : ص (442) .

(4) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : (4/222) .

(5) الأدلة الثلاثة الأخيرة استدل بها أبو سعيد الخراز ، أحد أكابر المشايخ الأئمة من أقران النجيد فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ، انظر مجموع فتاوى (4/220) .

 

© الحقوق لكل مسلم للاستخدام الشخصي بعد الإشارة للمصدر

مجموعة عقيدة المسلم

W W W . 3 G E D H . C O M