:: المســـــك الأذفر :: ][الجنة و النار ][

الصفحة الرئيسية >> حول النار >> سفن النجاة من النار

الصفحة الرئيسة

 أغلق الصفحه  راسل المسك الأذفر  أطبع الصفحه أرسل الصفحة لصديق
 

 

القول بفناء النار

ما هو القول المعتبر في قضية فناء النار ، وما تحقيق القول في نسبة القول بفناء النار لشيخ الإسلام ابن تيمية ؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى اله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فعقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار لا تفنيان ولا تبيدان، كما قرر ذلك أهل السنة في مصنفات العقائد، وأدلة هذا القول:

1 – قوله تعالى: (( إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً)) [النساء: 169]

2 – وقوله تعالى: ((خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً )) [الأحزاب: 65].

3 – وقوله تعالى: ((وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً )) [الجن: 23].

فهذه ثلاث آيات من كتاب الله فيها التصريح بالبقاء في العذاب وذكر الخلود، وتأكيد هذا الخلود بالتأبيد.

4 – قوله تعالى : ((وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ )) [البقرة : 167] .

5 – وقوله تعالى: (( يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ )) [المائدة: 37].

ففي هاتين الآيتين أخبر تبارك وتعالى بعدم خروجهم من النار، مؤكداً ذلك بأن العذاب مقيم ودائم معهم.

6 – قوله تبارك وتعالى : (( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ )) [الزخرف : 75] .

7 – وقوله تعالى: ((ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ )) [فصلت : 28] .

8 – ومن السنة : ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. ويقال يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح. ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)).

9 – دليل الإجماع على هذه المسألة :

1 – أبو زيد القيرواني – رحمه الله–: في كتابه الجامع ص 110 ( فمما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة، ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة.... وإن الجنة والنار قد خلقتا، أعدت الجنة للمتقين، والنار للكافرين، لا تفنيان ولا تبيدان ).

2 - عبد القاهر البغدادي – رحمه الله –: في كتابه الفرق بين الفرق 348 ( الفصل الثالث : في بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة ، - ثم ذكر أموراً – وقال : ( الركن الثاني عشر: وقالوا بدوام نعيم الجنة على أهلها ، ودوام عذاب النار على المشركين والمنافقين، وقالوا إنً الخلود في النار لا يكون إلا للكفرة ) .

3 - ابن حزم – رحمه الله –: قال رحمه الله في كتابه الملل والنحل: (اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان ، وأبا الهذيل العلاف، وقوماً من الروافض) [1]  .

4 - ابن عطية – رحمه الله –: في كتابه المحرر الوجيز 2 / 346 ( والإجماع على التخليد الأبدي للكفار ) .

5 - شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع: وسيأتي الإشارة إليها في صلب البحث – بإذن الله تعالى - .

6 - ابن حجر– رحمه الله –: كما في الفتح 11 / 429 فقال: ( من زعم أنهم يخرجون منها ، أو أنها تبقى خالية أو تفنى فهو خارج عما جاء به  الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأجمع عليه أهل السنة ) .

7 - أبو السعود – رحمه الله –: في تفسيره 1 / 94 ( وقد انعقد الإجماع على أنً المراد به – أي الخلد – الدوام ).

8 - السفاريني – رحمه الله –: في كتابه لوامع الأنوار البهية 2 / 234 ( وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة ، فأجمعوا على أنّ عذاب الكفار لا ينقطع ) .

9 - الألوسي – رحمه الله –: في جلاء العينين في محاكمة الأحمدين 424ص،  وما بعدها ( خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بالمخالف ) .

ومن أقوال السلف المنثورة في مصنفات الاعتقاد :

1 – قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (وإن الله خلق الجنة قبل الخلق، وخلق لها أهلاً، ونعيمها دائم، ومن زعم أنه يبيد من الجنة شيء فهو كافر، وخلق النار قبل خلقه الخلق، وخلق لها أهلاً وعذابها دائم) [2].

 2 - قول ابن أبي زمنين – رحمه الله–: في كتابه أصول السنة : (وَأَهْلُ اَلسُّنَّةِ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اَلْجَنَّةَ وَالنَّارَ لَا يَفْنَيَانِ وَلَا يَمُوتُ أَهْلُوهَا... ثم قال– رحمه الله- : وَقَالَ رَدًّا عَلَى اَلْيَهُودِ وَتَكْذِيبًا لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: ((وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا اَلنَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اَللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)) وَالسَّيِّئَةُ هَا هُنَا اَلشِّرْكُ .

كَذَلِكَ قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ: فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ اَلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ...... ثم قال كذلك (قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اَلْخُلُودَ إِلَّا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ لَكَانَتْ كَافِيَةً لِمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ رَدَّدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ لَهُ اَلْحُجَّةُ اَلْبَالِغَةُ ) [3].

3 - قال الإمام البربهاري (ت - 329هـ) رحمه الله: (وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى، إلا الجنة والنار، والعرش والكرسي، والصور، والقلم، واللوح ليس يفنى شيء من هذا أبداً) [4].

4 - قال الإمام الآجوري (ت - 360هـ) رحمه الله: (وقد ذكر الله عزّ وجل في كتابه أهل النار الذين هم أهلها، يخلدون فيها أبداً.. وأن أهل النار الذين هم أهلها في العذاب الشديد أبداً)[5].

5 - قول الطحاوي – رحمه الله –: في ثنايا تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة: ( والجنة والنار لا تفنيان أبداً ولا تبيدان ) .

 6 - قول ابن أبي العز الحنفي– رحمه الله تعالى–: في شرحه للعقيدة الطحاوية: ( وقوله : لا تفنيان أبدا ولا تبيدان - هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف ) [6] .

أقوال الطوائف في هذه المسألة

وهناك أقوال لأهل البدع – كما هو الحال والشأن– في أقوالهم في أبواب الاعتقاد المتفرقة وقد أشار لهذه الأقوال جماعة من أهل العلم – رحمهم الله – منهم:

1 – ابن حزم – رحمه الله –: في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل .

2 – ابن أبي العز الحنفي–: شارح العقيدة الطحاوية - وغيرهم . 

وأهم هذه الأقوال التي تستحق المناقشة هو القول المنسوب لبعض السلف[7]وهو أن النار تبقى أحقاباً ثم تفنى ويخرج منها أهلها إذا تهذبوا وتطهروا وزال عنهم درن الكفر بما ذاقوه من العذاب.

ومن أدلة القائلين بهذا القول :

1 -  قوله تعالى: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ) (الأنعام : 128 ) .

وقوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) (هود: 106 ).

(خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود : 107 ).

ووجه الدلالة: ما أشار إليه ابن أبي العز – رحمه الله – بقوله : (ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة وهو قوله : (( عطاءً غير مجذوذ )) .

والجواب عن ذلك من عدة أوجه :

الوجه الأول : أنّ المراد بقوله تبارك وتعالى : (إلا ما شاء ربك ) فالاستثناء في هذه الآية وتقييدها بالمشيئة راجع إلى العصاة من الموحدين كما تواترت النصوص بخروج أهل التوحيد ومن كان في قلبه أدنى مثقال من إيمان .

وهذا المعنى ذهب إليه ابن عباس – رضي الله عنهما[8]- فقال: (الاستثناء لأهل الإيمان ).

وقد يشكل على هذا أنه جاءت الآية باستخدام ( ما ) التي لغير العاقل بمعنى ( من ) التي للعاقل.

والجواب عن ذلك: أنّ مثل ذلك وارد في كتاب الله تبارك وتعالى وفي اللغة العربية، كما في:

أ – ((فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء )) (النساء: 3 ) .

أي : من طاب لكم من النساء .

ب – (( إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)) (المؤمنون: 6 ).

فقوله تعالى: ( ما ملكت ) المقصود به : من ملكت .

ج - ((وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً)) (النساء : 22 ) والمراد : من نكح .

الوجه الثاني : أنّ المراد بقوله تعالى: (( ما دامت السموات والأرض )) المراد بها: سموات الآخرة وأرضها بدليل قوله تعالى : ((يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)) (إبراهيم: 48 ) .

 3 - وقوله تعالى: (( لابثين فيها أحقابا)) وجه الاستدلال من الآية أن الأحقاب أوقات معدودة محصورة لا بد لها من نهاية.

والجواب عن هذه الآية: أن المراد أنهم لابثين فيها أحقاباً ومدداً لا حصر لها، وحذفت نهاية المدة للعلم به.

4- استدلوا بآثار عن الصحابة كأبي هريرة وابن مسعود وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه.

وهذه يجاب عنها بوجهين:

الوجه الأول: أنّ هذه الآثار المروية عن الصحابة – رضوان الله عليهم – لا تصح سنداً.

الوجه الثاني: أنها لو صحت لم يفهم منها القول بفناء النار[9].

موقف شيخ الإسلام من هذه المقولة

ما يتعلق بمسألة فناء النار هي من جملة المسائل التي شنّع فيها على شيخ الإسلام، واتهم أنه كان يقول بقول الجهمية في فناء النار، حيث له مقالات تفهم أنه يميل إلى هذا القول، ولهذا انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول: الذين يقطعون بأنه يقول بفناء النار، وهذا قول عامة مناوئيه، وبعض من يوافقه في الاعتقاد.

القسم الثاني: الذين ينفون عنه هذا القول مطلقاً، وأنه يرى خلودها كالجنة اعتماداً على أن هذا القول هو قول السلف، وهو يقول به في عامة كتبه، بل هو من أكبر شراح عقيدة السلف، وهؤلاء اعتمدوا على نصوصه الصريحة في عامة كتبه التي تثبت أبدية النار.

القسم الثالث: القائلون بأن ابن تيمية يميل إلى القول بفناء النار لكنه لا يصرح بذلك، حيث وقفوا على بعض أقوال له تشعر بأنه يرتضي هذا القول، وهذه الأقوال جميعها مفهومة من كلام الشيخ في كتاب له بعنوان "الرد على من قال بفناء الجنة والنار".

والتحقيق -إن شاء الله- أن شيخ الإسلام يقول بقول جمهور السلف والأئمة من أبدية النار وعدم فنائها، وهذا هو الذي صرح به في عامة كتبه، بل ونقل اتفاق السلف على ذلك كما في المجموع (18/307)، وبيان تلبيس الجهمية (1/581)، وفي منهاج السنة (1/146)، ونقل كلام الأشعري في المقالات من اتفاق أهل الإسلام جميعاً على أن الجنة والنار لا يزالان، وذكره مقراً له ومؤيداً. انظر درء التعارض (2/357)، وفي مواضع كثيرة من الفتاوى يحكي هذا القول وينصره (2/428)، (16/197). ، ثم إن النصوص التي يستدل بها القائلون بأنه يقول بفناء النار هي من كتاب واحد، وهو (الرد على من قال بفناء الجنة والنار)، وهو ليس من الكتب المشهورة لشيخ الإسلام والمحققون من أهل العلم لهم عليه ملاحظات علمية ومنهجية ليس هذا موضع ذكرها، وابن القيم –رحمه الله- قد نقل أغلب ما في هذا الكتاب في كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) ولم يصرح بأن ذلك هو رأي شيخ الإسلام، ولو كان قولاً له لصرح به، ثم إن الكتاب ظاهر من عبارته أنه قائم على حكاية قول القائلين بفناء النار على هيئة مناظرة وحوار، فذكر أدلة الفريقين، وحين ذكر أدلة القائلين بفناء النار عرضها عرضاً يوحي بأنه منهم، لكنها قوة عرض ليس إلا، بدليل أن ابن القيم الذي نقل عامة هذا الكتاب حين ذكر أدلة الفريقين ومناقشة الأدلة صرح بأنه يحكي هذا القول: فقال: "قال أصحاب الفناء....."، وحين انتهى من ذكر مناقشاتهم قال: "فهذا نهاية إقدام الفريقين في هذه المسألة" حادي الأرواح (ص 255،283) ثم على التسليم بأن كتاب ابن تيمية فيه تأييد ونصرة للقول بفناء النار، فالذي يترجح أن هذا الكتاب ليس من آخر ما كتب ابن تيمية، فإن الكتب المتأخرة مثل (درء التعارض) الذي ألفه في السنوات من عام (713-717) هـ ومنهاج السنة الذي كان تأليفه عام (710)هـ تقريباً، وكذا كتاب بيان تلبيس الجهمية ألفه في مصر من عام (705-712)، وهذه الكتب قد صرح فيها شيخ الإسلام بأبدية النار، وصرح فيها برأيه بوضوح تام، والكتاب السابق يغلب على الظن أنه قد تم تأليفه في مرحلة مبكرة من عمره، وقد أشار الشيخ الألباني –رحمه الله- إلى شيء من ذلك في مقدمة كتاب رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار (ص 25).
وعلى كل حال فأقواله– رحمه الله- المصرحة بأبدية النار بيّنة وصريحة، ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن المجمل مما في نصوص الكتاب والسنة يرد إلى المحكم، ولا يتعلق بالمتشابة والمجمل، ويترك المحكم والمبين إلا أهل الأهواء، وكذلك مقولات أئمة العلم والدين ينبغي أن يحمل المجمل والمشتبه على المبيّن والمحكم، وأن تحمل أقوالهم على أحسن المحامل وأسلم المقاصد .

وأجمل بعض النقاط المتقدمة في تبرئة شيخ الإسلام من القول بفناء النار في النقاط التالية :

1 – لشيخ الإسلام نصوص واضحة في هذه المسألة لا يتطرق لها الاحتمال والتأويل .

ومن ذلك -على سبيل الإيجاز لا الحصر - : 

أ – قوله في تلبيس الجهمية : ( وأن بقاء الجنة والنار بقاء مطلق ) 1 / 157 .

ب – إنكاره على من يقول بفناء الجنة والنار. الفتاوى 14 / 348 .

2 – تصريح الأئمة بعدم صحة هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن ذلك على سبيل الإيجاز لا الحصر: ما قاله القارئ – رحمه الله -: ( وأما قول المؤول أن ابن تيمية الحنبلي: ذهب إلى أن الكفار في عاقبة الأمر يخرجون من النار فافتراء عليه ) . انظر كتابه الرد على القائلين بوحدة الوجود صـ 86. وأما ما نسبه له بعض أهل العلم والفضل سيأتي ذكر سبب هذه النسبة في آخر هذا البحث – إن شاء الله تعالى- .

3 – أنّ لشيخ الإسلام رحمه الله حاشية على كتاب ابن حزم – رحمه الله –في كتابه: ( مراتب الإجماع )، فحينما ساق ابن حزم الإجماع على بقاء النار وعدم فنائها بقوله: ( والنار حق، وأنها دار عذاب، لا تفنى ولا يفنى أهلها بلا نهاية ) لم يتعقبه على كلامه كما تعقبه على غيره من جملة المواضع .

4 - أنه لم ينقل أحد من تلامذتهما عنهما هذا القول، ولم يقل به أحد منهم، وتلاميذهما علماء محققون وهم كُثُر ( الذهبي – ابن رجب الحنبلي – ابن كثير ) وغيرهم كثير.

 

سبب نسبة القول بفناء النار لشيخ الإسلام ابن تيمية–رحمه الله- :

لهذه النسبة عدة أسباب ، منها :

السبب الأول : عدم تتبع كلام شيخ الإسلام – رحمه الله في جميع كتبه ورسائله ، فهو رحمه الله لما استطرد في بيان أدلة من قال بفناء النار ظنّ البعض أن هذا هو قول شيخ الإسلام، أو أنه يميل إليه ، لكنه لا يصرح به، فالكتاب قائم على حكاية قول القائلين بفناء النار على هيئة مناظرة وحوار، فذكر أدلة الطائفتين، وحين ذكر أدلة القائلين بفناء النار عرضها عرضاً يوحي بأنه منهم، ويستند هذا التعليل إلى أمور منها:

أ - أن ابن القيم رحمه الله حين ذكر أدلة القائلين بأبدية النار ودوامها وبدأ مناقشة هذه الأدلة، صرّح بأنه يحكي هذا القول فقال: (قال أصحاب الفناء: الكلام على هذه الطرق يبين الصواب في هذه المسألة)[10].

وحين انتهى من ذكر مناقشاتهم قال: (فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة)[11].

ب - أن ابن تيمية رحمه الله ذكر في أبدية النار اتفاق سلف الأمة، وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة على هذا، ولا يسع ابن تيمية رحمه الله وأمثاله أن يخالف هذا الاتفاق، ولا سيما أنه حكي قول القائلين بالفناء بأنه يحتج على فناء النار بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، مع أن القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنة، ولا أقوال الصحابة[12]، فكيف يحكي الاتفاق والإجماع على مسألة، ويركز عليها في كتبه المتعددة، ثم هو يقول بهذا النص، لا شك أن هذا النص هو حكاية لقول القائلين بالفناء لا أنه يرتضيه.

ج - يتفق ابن تيمية رحمه الله وابن القيم أنهما حكيا قول القائلين بالفناء، وذلك؛ لأن ابن القيم نقل أغلب كلام ابن تيمية رحمه الله الذي ذكره في كتابه (الرد على من قال بفناء الجنة والنار)، وذلك بعدما سأل ابن القيم (ت - 761هـ) شيخه ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة [13]، ثم يجمعهما - أيضاً - أنهما قالا بقول أهل السنة والجماعة في أبدية النار في مواضع متعددة من كتبهما .

السبب الثاني :  الكلام المحتمل غير الصريح في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وابن القيم، فقد يفهم فاهم بأن هذا هو قوله في هذه المسألة .

وأنبه في نهاية البحث: إلى أهمية معرفة أن القول بفناء النار لا يسلم بأنه كفر، كما يزعمه كثير من خصوم شيخ الإسلام الذين يكفرونه بذلك، بل هذه المسألة فيها اشتباه وآثار متعددة اشتبهت على كثير من العلماء ومنهم باحثون معاصرون، وقالوا بفناء النار، واستندوا إلى الآثار المروية في ذلك عن بعض الصحابة والتابعين التي يفهم منها القول بفناء النار، فاجتهدوا في هذه المسألة، وإن كانوا مخطئين لكنهم لا يكفرون بذلك. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

مراجع لهذه المسألة:

1 – الاعتبار ببقاء الجنة والنار.

تأليف : للحافظ الإمام علي بن عبد الحافظ السبكي.

2 – رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار.

تأليف: محمد بن إسماعيل الصنعاني.

3 – توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين.

تأليف: مرعي بن يوسف الحنبلي.

4 – شرح العقيدة الطحاوية.

5 – دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية.

تأليف: د. عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن.

6 - تنبيه المختار على عدم صحة القول بفناء النار عن الصحابة الأخيار.

تأليف: الشيخ سليمان بن ناصر العلوان .



[1] - الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 4 / 69 .

[2] - فتح الباري شرح صحيح البخاري 11/440.

[3] - أصول السنة ، لابن أبي زمنين ، صفحة 19 و ما بعدها .

[4]  - شرح السنة ص33.

[5]  - الشريعة ص399 - 400.

[6] - شرح العقيدة الطحاوية ج 1 -  صفحة 420 . 

[7] - والذي يظهر – والعلم عند الله – أنّ هذا القول لم يشتهر عن أحد من السلف إلا ما نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمة الله عليهما – وهذا لا يصح عنهما ، كما سيتبين خلال هذا البحث  . ولعلّ كلام ابن أبي العز الحنفي حينما نسب هذا القول لبعض السلف لم يبين من هم السلف ، و كأنه متردد – رحمه الله – في نسبة القول بفناء النار لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله - ، و أما ما نُسب لبعض أهل التفسير فإن معظمهم تكلم على الآية التي جاء في سوة الأنعام ، والآية الأخرى التي جاءت في سورة هود ، ففهموا من الاستثناء القول بفناء النار ، كما أيدوا هذا الفهم بالأقوال التي وردت عن الصحابة – رضوان الله عليهم – والتحقيق أنه لا يصح نسبة هذه الأقوال للصحابة فهي ضعيفة ، وما صحً منها لا يفهم القول بفناء النار ، و ممن جمع آثار الصحابة في هذه المسألة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان  في رسالة له بعنوان : تنبيه المختار على عدم صحة القول بفناء النار عن الصحابة الأخيار . وقد قال ابن حجر – رحمه الله – كما في الفتح : 11 / 429 وما بعدها ( وقد مال بعض المتأخرين إلى هذا القول – يعنى القول بالفناء – وهو مذهب ردىء مردود على قائله ، وقد أطنب السبكي في بيان وهائه فأجاد .... ) . فالحافظ رحمه الله تعالى لم ينسب هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية كما ردً ابن حجر على شيخ الإسلام في مسألتين – كما في الفتح – وكان الصواب فيها مع شيخ الإسلام ابن تيمية ومن المعلوم كذلك : أنً السبكي كان من أعداء شيخ الإسلام ابن تيمية في وقته السبكي، ومع ذلك لم يتهمه  بهذه التهمة ، قال الألوسي – رحمه الله – في كتابه جلاء العينين في محاكمة الأحمدين : ( إنً أكثر المنتقدين من المعاصرين وأشدهم من الوقوع فيه – أي : ابن تيمية – الإمام السبكي ) .

[8] - انظر تفسير القرطبي [ جزء 7 -  صفحة 75 ]  حيث قال : ( وقال ابن عباس : الاستثناء لأهل الإيمان فما على هذا بمعنى من )

وكذلك انظر : توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين صـ 43 .

[9] - انظر رسالة تنبيه المختار على عدم صحة القول بفناء النار عن الصحابة الأخيار .

[10]  - حادي الأرواح ص255.

[11]  -  حادي الأرواح ص283.

[12] - انظر: الرد على من قال بفناء الجنة والنار ص67.

[13]  -  انظر: شفاء العليل لابن القيم ص551 - 552.

 

-----------------------------------------------------------

كتبه : د. محمد بن عبد الله الخضيري

المصدر : نور الإسلام

http://www.islamlight.net

 

 

>> الصفحة الرئيسة >>

عذاب النار :: آيات النار :: كيف نتقي النار :: من أهل النار :: سمعيات النار :: كتب النار :: حول النار :: فتاوى النار

© جميع الحقوق محفوظة لموقع المسك الأذفر  1426 هـ  - 2005 م
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بثلاثة شروط : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع المسك الأذفر www.athfer.com ،  الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، ثالثا : عدم استخدام مواد الموقع للأغراض التجارية . والله الموفق .